ذهب السودان بين الإنتاج والتهريب… (فجوة الأرقام) اقتصادًا موازيًا عابرًا للحدود

تقرير: عين الحقيقة

تثير الفجوة الواسعة بين إنتاج السودان من الذهب وكميات التصدير الرسمية تساؤلات متزايدة حول حجم الاقتصاد الموازي المرتبط بهذا القطاع الحيوي، في ظل مؤشرات على نشاط تهريب منظم يمتد عبر الحدود، ويستفيد من ضعف الرقابة وتعقيدات المشهد الأمني.

تشير تقديرات متداولة إلى أن إنتاج السودان من الذهب خلال عام 2025 بلغ نحو 70 طنًا، بينما لم تتجاوز الكميات المصدّرة رسميًا 14 طنًا، ما يعني وجود نحو 55 طنًا خارج القنوات الرسمية.

أرقام متباينة تكشف فجوة كبيرة
تشير تقديرات متداولة إلى أن إنتاج السودان من الذهب خلال عام 2025 بلغ نحو 70 طنًا، بينما لم تتجاوز الكميات المصدّرة رسميًا 14 طنًا، ما يعني وجود نحو 55 طنًا خارج القنوات الرسمية. هذه الفجوة الكبيرة تفتح الباب أمام فرضيات متعددة، أبرزها توسع عمليات التهريب وفقدان السيطرة على سلاسل التوريد. ويقول الخبير الاقتصادي د. محمد عبد الله إن “الفارق بين الإنتاج والتصدير بهذا الحجم لا يمكن تفسيره فقط بعوامل تقنية، بل يشير إلى وجود سوق موازية نشطة، تستوعب كميات ضخمة من الذهب خارج الإطار الرسمي”.
مؤشرات إقليمية على إعادة التصدير
في السياق ذاته، تكشف بيانات تجارية عن ارتفاع صادرات مصر من الذهب خلال عام 2025 إلى نحو 5 مليارات دولار باتجاه دول عربية، وهو ما يعادل بحسابات تقريبية قرابة 50 طنًا، رغم أن إنتاجها المحلي لم يتجاوز 18 طنًا خلال الفترة نفسها. ويرى محللون أن هذا التباين قد يعكس دورًا متناميًا لمصر كمركز لإعادة تصدير الذهب في المنطقة، بما في ذلك الذهب القادم من السودان عبر قنوات غير رسمية.
مسارات التهريب عبر الحدود
وتشير تقارير ميدانية إلى أن مناطق جنوب مصر، خاصة المنطقة الواقعة شرق مدينة أسوان بنحو 30 كيلومترًا، تحولت إلى نقطة تجمع رئيسية لتداول الذهب القادم من السودان. وبحسب مصادر محلية، تتم عمليات نقل الذهب عبر مسارات برية غير رسمية، حيث تُنقل الشحنات تحت حراسة مسلحة تختلف كثافتها بحسب حجم الكميات، وتُرافق أحيانًا بمركبات مرافقة حتى مناطق التسليم.

خبراء: أحد أبرز أسباب تفاقم الظاهرة يتمثل في ضعف الرقابة على قطاع التعدين التقليدي، الذي يشكل نسبة كبيرة من الإنتاج، إلى جانب تعدد الجهات المشرفة على القطاع، ما يخلق ثغرات تستغلها شبكات التهريب..

تحديات الرقابة وضعف الحوكمة
يرى خبراء أن أحد أبرز أسباب تفاقم الظاهرة يتمثل في ضعف الرقابة على قطاع التعدين التقليدي، الذي يشكل نسبة كبيرة من الإنتاج، إلى جانب تعدد الجهات المشرفة على القطاع، ما يخلق ثغرات تستغلها شبكات التهريب. وتقول الباحثة في شؤون الموارد الطبيعية هالة يوسف إن “غياب الشفافية وتعدد مراكز القرار يسهمان في تسهيل خروج الذهب من القنوات الرسمية، خاصة في ظل ارتفاع الطلب الإقليمي والدولي”.
اتهامات سياسية وتداخلات اقتصادية
في خضم هذه المعطيات، تتصاعد اتهامات من بعض الأطراف بوجود شبكات مصالح مرتبطة بجهات سياسية، من بينها عناصر محسوبة على تيارات إسلامية، يُشتبه في استفادتها من الاقتصاد الموازي للذهب. إلا أن هذه الاتهامات تبقى محل جدل، في ظل غياب تحقيقات رسمية معلنة أو بيانات موثقة بشكل قاطع، ما يدفع مراقبين إلى الدعوة لإجراء تحقيقات مستقلة وشفافة لكشف طبيعة هذه الشبكات.

يشكل تهريب الذهب خسارة مزدوجة للاقتصاد السوداني، إذ يحرم الدولة من عائدات نقد أجنبي كانت ستسهم في دعم العملة وتمويل الواردات، كما يعمّق من اختلال الميزان التجاري ويزيد من الاعتماد على السوق الموازية

تداعيات اقتصادية واسعة
يشكل تهريب الذهب خسارة مزدوجة للاقتصاد السوداني، إذ يحرم الدولة من عائدات نقد أجنبي كانت ستسهم في دعم العملة وتمويل الواردات، كما يعمّق من اختلال الميزان التجاري ويزيد من الاعتماد على السوق الموازية. ويؤكد الخبير المالي عبد الرحمن الطيب أن “إحكام السيطرة على قطاع الذهب يمكن أن يشكل نقطة تحول في الاقتصاد السوداني، لكن ذلك يتطلب إصلاحات مؤسسية عميقة وإرادة سياسية واضحة”.
دعوات للإصلاح والرقابة
في ظل هذه التحديات، تتزايد الدعوات لإعادة تنظيم قطاع التعدين، وتوحيد الجهات المشرفة عليه، وتعزيز أنظمة التتبع والرقابة، إلى جانب التعاون الإقليمي للحد من التهريب عبر الحدود. ومع استمرار الطلب العالمي على الذهب، يبقى هذا القطاع أحد أهم مفاتيح التعافي الاقتصادي في السودان، إذا ما أُدير بكفاءة وشفافية، بعيدًا عن شبكات الاقتصاد غير الرسمي التي تستنزف موارده.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.