في ظل الحرب المستمرة في السودان منذ أبريل 2023، تتزايد التحذيرات من محاولات جماعة «الإخوان» إعادة ترتيب صفوفها واستثمار حالة الفوضى لتعزيز حضورها السياسي، تمهيداً للعودة إلى المشهد العام، مستفيدة من تعقيدات الأزمة وتراجع مؤسسات الدولة.
ويرى مراقبون أن البيئة التي أفرزها الصراع المسلح، بما تحمله من انهيار في البنية الإدارية وتآكل في سلطة الدولة، تمثل فرصة سانحة للجماعات الأيديولوجية لإعادة التموضع، مستندة إلى خبرات سابقة في إدارة الأزمات واستغلال الفراغ السياسي.
إلى ذلك، قال الباحث في شؤون الحركات المتطرفة، منير أديب، إن الجماعة تسعى إلى توظيف الصراع الدائر منذ نحو ثلاث سنوات لإعادة التموضع، مشيراً إلى أنها تلعب دوراً في تغذية الصراع واستمراره، ما يجعلها من أبرز المستفيدين من إطالة أمد الحرب.
وأضاف، في تصريحات لموقع «الراكوبة»، أن الهدف الرئيسي يتمثل في استعادة النفوذ السياسي، إلى جانب محاولة الالتفاف على الضغوط الدولية، بما في ذلك تصنيف الولايات المتحدة لـ«إخوان السودان» ضمن قوائم الإرهاب.
ويشير أديب إلى أن هذا النهج ليس جديداً، بل يندرج ضمن أنماط متكررة لدى الجماعات ذات الطابع الأيديولوجي، التي تسعى إلى استثمار الأزمات لتعزيز نفوذها، لافتاً إلى أن الهدف النهائي لمثل هذه التنظيمات لا يقتصر على المشاركة السياسية، بل يمتد إلى السيطرة على مفاصل الدولة.
من جانبه، قال الباحث في شؤون الحركات الإسلامية، طارق أبو السعد، في تصريحات صحفية، إن الجماعة تتبنى منذ اندلاع الحرب خطاباً يستهدف إضعاف الثقة في المرحلة التي أعقبت سقوطها، عبر تصوير الوضع الراهن كدليل على فشل القوى التي تولت إدارة البلاد.
وأوضح أن الجماعة تروّج لسردية تركز على إبراز انتهاكات قوات الدعم السريع، في محاولة لتقديم الصراع باعتباره مواجهة بين «مليشيات» والدولة، وهو خطاب يسعى إلى إعادة إنتاج شرعيتها السياسية.
وأضاف أن وتيرة هذه التحركات تتصاعد مع كل مؤشر على اقتراب أحد أطراف النزاع من تحقيق تقدم ميداني، مؤكداً أن استمرار الحرب يمثل مصلحة مباشرة للجماعة، إذ قد يدفع ذلك بعض قطاعات الشارع إلى إعادة تقييم موقفها من المرحلة السابقة.
وفي قراءة من الداخل، قال محلل سياسي سوداني، فضل حجب اسمه، لـ«عين الحقيقة»، إن ما يجري يتجاوز مجرد تحركات سياسية تقليدية، لافتاً إلى أن بعض شبكات الإسلاميين لا تزال تحتفظ بقدرة تنظيمية كامنة داخل مؤسسات الدولة والمجتمع، والجيش السوداني والشرطة وجهاز الأمن والمخابرات، رغم الضربات التي تلقتها بعد سقوط نظامها في ثورة ديسمبر 2019.
وأضاف أن الحرب الحالية خلقت حالة من السيولة السياسية غير المسبوقة، ما أتاح لهذه التيارات إعادة ترتيب صفوفها بهدوء، والعمل على اختراق المشهد عبر أدوات إعلامية وخطابية تقوم على استثمار المخاوف الشعبية من الفوضى، وتقديم نفسها كخيار للاستقرار.
وأشار إلى أن هذا الخطاب يجد أحياناً صدى لدى فئات متضررة من الحرب، خصوصاً في ظل تدهور الأوضاع المعيشية وغياب أفق سياسي واضح، ما يعزز من فرص عودة بعض رموز النظام السابق بصورة أو بأخرى.
لكنه حذر، في الوقت ذاته، من أن “أي عودة غير نقدية لهذه التيارات قد تعيد إنتاج الأزمة ذاتها التي قادت إلى الانفجار الحالي”، مؤكداً أن التحدي الحقيقي يكمن في بناء مشروع وطني جامع لا يسمح بإعادة تدوير الأزمات تحت شعارات جديدة.
تعكس هذه المؤشرات واقعاً سياسياً معقداً، تتداخل فيه حسابات الحرب مع رهانات القوى الأيديولوجية، في مشهد تتراجع فيه سلطة الدولة لصالح قوى متنافسة تسعى لملء الفراغ. وبينما تستمر المعارك على الأرض، يبدو أن صراعاً موازياً يدور في الخفاء على مستقبل السلطة وهوية الدولة.
وفي ظل غياب تسوية سياسية شاملة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تمهد الحرب لعودة قوى الماضي، أم أنها ستدفع نحو ميلاد معادلة جديدة تقطع مع دورات الصراع المتكررة؟ الإجابة، على الأرجح، ستحدد ملامح السودان في المرحلة المقبلة، بين خيار إعادة إنتاج الأزمات أو الشروع في بناء دولة تتجاوزها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.