ثلاثة عقود من الاستنزاف… هل يدفع السودان ثمن دولة التنظيم؟

نورا عثمان

ليس من السهل اختزال أزمة السودان في لحظة حرب، أو تفسير انهياره الاقتصادي والسياسي بمعزل عن جذور أعمق تمتد لثلاثة عقود مضت. فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط لماذا انهار السودان بهذه السرعة؟ بل: ماذا جرى طوال تلك السنوات حتى يصبح بلدٌ بهذه الموارد في هذا الوضع؟
خلال ثلاثين عامًا من حكم ارتبط بصعود تيارات الإسلام السياسي، أعيد تشكيل الدولة السودانية على نحوٍ مختلف؛ لم تعد المؤسسات تعمل وفق منطق الدولة، بل وفق شبكة معقدة من الولاءات والمصالح. جرى توسيع دور الاقتصاد الموازي، وتداخلت السياسة مع التجارة، وتحوّلت الموارد من الذهب إلى الزراعة إلى أدوات نفوذ أكثر من كونها روافد تنمية.
لم يكن التحدي في شح الموارد، فالسودان ظل يمتلك واحدًا من أكبر الاحتياطيات الزراعية في المنطقة، إلى جانب ثروات معدنية معتبرة. لكن الإشكال، كما يرى خبراء، كان في طريقة إدارة هذه الموارد، حيث غابت الشفافية، وتراجعت مؤسسات الرقابة، وتزايدت الاتهامات بوجود شبكات تستفيد من الاقتصاد خارج الأطر الرسمية.
ومع مرور الوقت، لم تتوقف آثار هذه السياسات عند حدود الاقتصاد، بل امتدت إلى بنية الدولة نفسها. فالتداخل بين المؤسسات المدنية والعسكرية، وتسييس بعض الأجهزة، خلق واقعًا معقدًا يصعب فصله بين ما هو سياسي وما هو أمني، وما هو اقتصادي.
اليوم، ومع استمرار الحرب، تتجلى نتائج هذا التراكم بشكل أكثر وضوحًا. فالبنية الاقتصادية التي كانت تعاني أصلًا من اختلالات، لم تصمد أمام الصدمة، وسرعان ما انهارت قطاعات واسعة، من الصناعة إلى الخدمات، بينما وجد المواطن نفسه في مواجهة أزمات معيشية متصاعدة.
السؤال حول دور الإخوان المسلمين في هذا المسار يظل حاضرًا في النقاش العام، لكن الإجابة عليه ليست أحادية أو بسيطة. فهناك من يرى أن السياسات المرتبطة بتلك المرحلة ساهمت في إضعاف مؤسسات الدولة، بينما يشير آخرون إلى أن الأزمة الحالية هي نتاج تداخل عوامل متعددة، داخلية وخارجية، تراكمت عبر سنوات.
ومع ذلك، فإن ما لا يمكن إنكاره هو أن أي مشروع سياسي—مهما كانت مرجعيته—عندما يضع مصلحة التنظيم فوق مصلحة الدولة، فإنه يفتح الباب أمام اختلالات يصعب معالجتها لاحقًا. السودان اليوم يقف عند مفترق طرق. فإما أن تُستخلص الدروس من الماضي، ويُعاد بناء نموذج دولة يقوم على الشفافية والمؤسسات، أو يستمر الدوران في حلقة الأزمات، حيث تتكرر الأخطاء بأشكال مختلفة.
في النهاية، ربما لا يكون السؤال: هل سعى أحد لتدمير السودان؟ بل: كيف وصلنا إلى هذه النقطة، ومن يملك القدرة والإرادة لتغيير المسار؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.