من حرب السودان إلى زنازين اليونان وليبيا: شبابٌ هربوا من الموت فابتلعهم الظلم

بقلم: المهندس حسين تيمان

حين يتحول اللاجئ إلى متهم… وحين تصبح النجاة جريمة

في واحدة من أكثر المآسي السودانية صمتًا وإيلامًا، تتكشف اليوم فصول مأساة جديدة لشباب سودانيين فرّوا من أهوال الحرب، ومن القتل والتشريد والتجنيد القسري، بحثًا عن ملاذ آمن خارج حدود وطنهم المنهك، لكنهم وجدوا أنفسهم في نهاية المطاف بين السجون اليونانية، ومعتقلات ليبيا، وشبكات الاتجار بالبشر، وأقبية التعذيب، وأحكام قاسية لا تشبه العدالة في شيء.

إنها ليست مجرد قصص عبور غير نظامي، بل قضية إنسانية وأخلاقية وسياسية مكتملة الأركان، تتطلب من الحكومة السودانية، والمنظمات الدولية، والعاملين في الحقل الإنساني، والجاليات السودانية بالخارج أن يتحركوا فورًا، قبل أن يتحول هؤلاء الشباب إلى ضحايا منسيين على هامش الحرب والهجرة والخذلان الدولي.

اليونان: حين يُتهم اللاجئ بأنه “مهرّب”

خلال العامين الأخيرين، ومع تصاعد الحرب في السودان، سلك آلاف السودانيين طريقًا بالغ الخطورة يبدأ من السودان إلى ليبيا، ثم إلى البحر المتوسط، وصولًا إلى اليونان، خاصة جزيرتي كريت وجافدوس. وقد رصدت تقارير دولية وصحفية تزايد هذا المسار بشكل واضح، خصوصًا في 2025، بعد تشديد المسارات الأخرى وإغلاق كثير من منافذ اللجوء النظامية.

لكن الصدمة الكبرى تبدأ بعد الوصول.

فبدلًا من أن يُنظر إلى كثير من هؤلاء الشبان باعتبارهم لاجئين فارّين من حرب أهلية مدمرة، يتم في بعض الحالات اعتقالهم وتوجيه تهم “تهريب مهاجرين” لهم، فقط لأن أحدهم:

أمسك بمقود القارب،

أو ساعد في تشغيل المحرك،

أو تولى التوجيه أثناء الرحلة.

في نظر القانون اليوناني، قد يتحول هذا الفعل إلى جريمة منظمة، رغم أن الواقع الإنساني مختلف تمامًا؛ فكثير من هؤلاء الشباب لا علاقة لهم بأي شبكة تهريب، بل هم ضحايا مثل بقية الركاب، وأحيانًا يُجبرون على قيادة القارب تحت التهديد أو الإكراه من قبل المهربين.

وهنا تكمن الكارثة: الضحية يُعاد تعريفه كجاني.

أحكام قاسية وعدالة ناقصة

الانتقادات الموجهة لهذا النمط من المحاكمات في اليونان لا تأتي من فراغ، بل تستند إلى عدة مؤشرات خطيرة، منها:

ضعف الأدلة في بعض القضايا،

الاعتماد على إفادات أولية مرتبكة أو غير مترجمة بدقة،

غياب الفهم القانوني الكامل للمتهمين بسبب اللغة أو الصدمة،

وعدم مراعاة عنصر الإكراه، الذي يُعد جوهريًا في القانون الجنائي.

الأخطر من ذلك أن بعض هؤلاء الشباب يواجهون أحكامًا طويلة وقاسية للغاية، رغم أنهم ليسوا منظمي رحلات تهريب، بل مجرد ناجين من رحلة موت.

ولا توجد حتى الآن إحصائية رسمية شفافة ومحدثة منشورة خصيصًا عن عدد السودانيين وحدهم في السجون اليونانية على خلفية هذه القضايا، لكن المؤشرات الميدانية وتقارير المحامين والمنظمات تؤكد أن السودانيين أصبحوا من بين أكثر الجنسيات تعرضًا لهذا النمط من الملاحقة، خاصة بعد ازدياد الرحلات القادمة من ليبيا إلى كريت. ولذلك يمكن القول، بحذر ومسؤولية، إن العدد على الأرجح بالعشرات، وربما أكثر، موزعين على سجون وتحقيقات ومحاكمات متعددة، مع تفاوت في مدد الأحكام من عدة سنوات إلى عشرات السنين في بعض الملفات، بحسب طبيعة الاتهام وعدد الأشخاص الموجودين على القارب.

وهذا يعني أن كثيرًا من السودانيين الذين هربوا من الحرب في بلادهم قد يجدون أنفسهم محكومين بسنوات طويلة في أوروبا، ليس لأنهم مجرمون، بل لأنهم نجوا بطريقة لم تُرضِ نظام الحدود الأوروبي.

الحق في اللجوء ليس جريمة

وفقًا لمبادئ القانون الدولي، فإن طلب اللجوء حق أساسي، ولا ينبغي أن يتحول مجرد الوصول إلى أوروبا أو الهروب من الحرب إلى مسوغ للتجريم الجماعي. وقد عبّرت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عن قلقها العميق من بعض السياسات اليونانية الأخيرة، خاصة تلك التي تقيّد الوصول إلى إجراءات اللجوء للقادمين من شمال إفريقيا، وهو ما يزيد من هشاشة السودانيين وغيرهم من الفارين من النزاعات.

كما تؤكد المفوضية أن الحكومة اليونانية هي الجهة الأساسية المسؤولة عن حماية طالبي اللجوء، بينما يظل دور المنظمات الدولية والحقوقية في الإسناد القانوني، والإحالة، والمناصرة، والرصد. وفي هذا السياق، تشير بيانات المفوضية إلى أن المساعدة القانونية في اليونان تشمل أيضًا ملفات الاحتجاز والمعاملة الجزائية المرتبطة بالدخول غير النظامي، وهي نقطة بالغة الأهمية في قضايا الشباب السودانيين المحتجزين هناك.

ليبيا: الجحيم الذي يسبق البحر

إذا كانت اليونان تمثل مرحلة العقاب القانوني القاسي، فإن ليبيا تمثل بالنسبة لكثير من السودانيين مرحلة الرعب الخام.

فليبيا، التي أصبحت خلال السنوات الماضية أحد أخطر ممرات الهجرة في العالم، لم تعد مجرد نقطة عبور، بل سوقًا مفتوحة للانتهاكات المنظمة ضد المهاجرين واللاجئين. وفي تقارير أممية حديثة، وُثِّقت ممارسات مروعة تشمل:

الاحتجاز التعسفي،

التعذيب،

الابتزاز،

العمل القسري،

العنف الجنسي،

الاسترقاق،

واحتجاز المهاجرين لطلب فدية من أسرهم.

وهذه ليست حالات فردية أو معزولة، بل جزء من نموذج عنف ممنهج تمارسه شبكات إجرامية، بعضها يعمل في مناطق تشهد تواطؤًا أو تقاطعًا خطيرًا مع أطراف أمنية ومسلحة.

بالنسبة للسودانيين، فإن الصورة أكثر قسوة؛ لأن كثيرًا منهم يصلون إلى ليبيا منهكين أصلًا من الحرب، والنزوح، والفقد، والجوع، والابتزاز على الطريق، ثم يجدون أنفسهم في مواجهة الخطف من قبل عصابات تحتجزهم في بيوت أو مزارع أو سجون سرية، لتبدأ بعدها اتصالات الفدية.

كم من أم سودانية باعت آخر ما تملك؟ كم من أسرة استدانت أو رهنت ذهبها أو باعت أرضها لتحرير ابنها من قبو في الكفرة أو سبها أو طرابلس؟ وكم من شاب لم يستطع أهله دفع الفدية، فاختفى في الصحراء أو في المعتقل أو في البحر؟

هذه ليست مبالغة صحفية. إنها وقائع موثقة ومكررة، وتحتاج فقط إلى من يملك الجرأة ليقول: كفى.

ضحايا حرب ثم ضحايا حدود

أغلب هؤلاء الشباب لم يغادروا السودان بحثًا عن رفاهية أو مغامرة، بل خرجوا لأنهم وجدوا أنفسهم أمام خيارات مرعبة:

الموت بالقصف أو بسبب انتمائه الإثني،

أو الاعتقال والانتهاك،

أو التجنيد الإجباري أو القسري في بيئة حرب منفلتة،

أو الضياع الكامل بلا حماية ولا مستقبل.

إنهم في الحقيقة ضحايا حرب قبل أن يكونوا ضحايا هجرة.

ومن القسوة الأخلاقية أن يُختزل مصيرهم في توصيفات باردة مثل “مهاجر غير نظامي” أو “متهم بالتهريب”، دون أن تُرى الصورة الكاملة: هؤلاء أبناء بلد ينهار، ومجتمع يتشظى، ومؤسسات دولية عجزت حتى الآن عن توفير ممرات آمنة وكريمة للنجاة.

أين الحكومة السودانية؟

هنا يجب أن يُطرح السؤال بصراحة شديدة:
أين الدولة السودانية من أبنائها المحتجزين في الخارج؟
أين السفارات؟ أين وزارة الخارجية؟ أين آليات الحصر والمتابعة القانونية؟ أين التدخل القنصلي؟ أين اللجان الوطنية لحماية السودانيين في مسارات الهجرة الخطرة؟

إن أقل ما يجب على الحكومة السودانية القيام به هو:

1. حصر رسمي عاجل
إنشاء قاعدة بيانات وطنية لحصر:

السودانيين المحتجزين في اليونان،

السودانيين المحتجزين أو المفقودين في ليبيا،

حالات الاختفاء،

وحالات الفدية والانتهاكات.

2. تحرك قنصلي وقانوني
يجب على البعثات الدبلوماسية السودانية، أو من يقوم مقامها، أن تتحرك لتوفير:

متابعة قنصلية للمحتجزين،

التواصل مع محامين ومنظمات قانونية،

متابعة ملفات الاستئناف،

والمطالبة بمحاكمات عادلة وضمانات إجرائية حقيقية.

3. ملف رسمي مع الاتحاد الأوروبي واليونان
على الحكومة السودانية أن تطلب، رسميًا:

مراجعة أوضاع السودانيين المحتجزين في قضايا “التهريب”،

التحقق من شبهات الإكراه وضعف الأدلة،

وضمان عدم تحويل اللاجئين الفارين من الحرب إلى ضحايا لسياسات الردع الأوروبية.

4. تحرك خاص تجاه ليبيا
ينبغي مخاطبة:

السلطات الليبية المعنية،

بعثة الأمم المتحدة في ليبيا،

الاتحاد الإفريقي،

والمنظمات الدولية،
بخصوص الاختطاف والتعذيب والابتزاز والاختفاء القسري الذي يتعرض له السودانيون هناك.

الصمت هنا ليس حيادًا… الصمت هنا تخلٍّ.

وماذا عن المنظمات الدولية؟

إن على المنظمات الدولية والإقليمية المعنية بالهجرة واللجوء وحقوق الإنسان أن تتعامل مع هذه القضية باعتبارها ملف حماية عاجل، لا مجرد ظاهرة عبور.

المطلوب من UNHCR:

توسيع الإحالة القانونية والحماية للسودانيين في اليونان،

الضغط من أجل ضمان الوصول الفعلي إلى اللجوء،

ورصد الانتهاكات ضد طالبي اللجوء السودانيين.

المطلوب من IOM:

توثيق الاختطاف والابتزاز والاحتجاز غير القانوني للسودانيين في ليبيا،

وتوفير قنوات حماية وإجلاء ودعم إنساني لمن تقطعت بهم السبل.

المطلوب من OHCHR والمنظمات الحقوقية:

إعداد ملفات رصد وتوثيق مستقلة،

ورفع قضايا المناصرة الدولية ضد أنماط الانتهاك والتجريم الجماعي.

المطلوب من المنظمات الإنسانية السودانية والدولية:

إنشاء خطوط تواصل طارئة مع أسر الضحايا،

وتوفير دعم قانوني ونفسي وإعلامي،

وعدم ترك هذه المأساة حبيسة الرسائل الخاصة ومجموعات الواتساب.

نداء إلى السودانيين العاملين في الحقل الإنساني

هذه القضية ليست ملف هجرة فقط… إنها قضية كرامة سودانية.

وكل سوداني يعمل اليوم في:

منظمة دولية،

أو مفوضية،

أو وكالة أممية،

أو مؤسسة قانونية،

أو شبكة حماية،

أو مبادرة حقوقية، مطالب أخلاقيًا ومهنيًا بأن يكون له دور حقيقي تجاه هؤلاء الشباب.

ليس المطلوب المعجزات، بل المطلوب فقط: أن نراهم،
أن نذكر أسماءهم،
أن نوثق قضاياهم،
أن نفتح لهم أبواب القانون والإعلام والمناصرة،
وألا نسمح بأن يموتوا بصمت مرتين: مرة في الحرب، ومرة في المنفى.

الخاتمة: لا تتركوا أبناء السودان بين البحر والسجن

ما يحدث اليوم للسودانيين في اليونان وليبيا ليس شأنًا هامشيًا، ولا قصة موسمية عابرة، بل هو وجه آخر للحرب السودانية. وجه يبدأ من الخرطوم ودارفور وكردفان والجزيرة، ولا ينتهي عند حدود السودان، بل يمتد إلى البحر المتوسط، والسجون الأوروبية، ومعتقلات شمال إفريقيا.

هؤلاء الشباب لم يطلبوا امتيازًا… لقد طلبوا فقط النجاة.

لكن العالم، بدل أن يفتح لهم بابًا آمنًا، وضعهم أمام: المهرّب،
ثم السجّان، ثم القاضي،
ثم الصمت.

ولهذا، فإن الواجب اليوم ليس التعاطف فقط… بل التحرك.
التحرك من أجل: إنقاذ من يمكن إنقاذه، الدفاع عمّن يمكن الدفاع عنه، وإعادة الاعتبار لشباب سودانيين سحقهم وطنٌ مشتعل وحدودٌ قاسية ونظام دولي بارد.

إنهم ليسوا أرقامًا… إنهم أبناء السودان.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.