بلاغة التسامي… أم براعة المناورة؟

دكتور الوليد آدم مادبو

في مشهدٍ أنهكته الضوضاء، واعتادت فيه السياسة أن تُصاغ بلغة الغلبة لا الحكمة، يطلّ خطابٌ جديد بملامح مغايرة من بعض الإسلاميين: نبرةٌ هادئة، اعترافٌ بفضائل الخصوم، وإيماءةٌ نحو إمكان التلاقي بعد طول قطيعة. تبدو الكلمات — للوهلة الأولى — كأنها تستعيد ما فُقد من أخلاقيات المجال العام، وتلمّح إلى خروجٍ محتمل من منطق الاستئصال إلى أفق الشراكة.

هذه الروح، في ظاهرها، لا يمكن التعامل معها باستخفاف. فبعد سنواتٍ من انحدار السياسة إلى مستوى العنف الرمزي والمادي، يصبح لأي حديثٍ عن “نبل الخصومة” وزنه، ولأي إشادةٍ “بالقحّاتة” معناها. إن إعادة الاعتبار لفكرة الاختلاف دون اقتتال ليست ترفًا بل شرطًا أوليًا لقيام أي حياة سياسية قابلة للاستمرار.

غير أن التجربة السودانية، كما حاولتُ تفكيكها في مقالاتٍ سابقة لا تسمح بقراءةٍ بريئة لهذا النوع من الخطابات. إذ تعلّمنا تلك التجربة أن اللغة، حين تصدر عن بنى أيديولوجية مغلقة، لا تكون دائمًا تعبيرًا عن تحولٍ حقيقي، بل قد تكون أداةً لإعادة التموضع تحت ضغط اللحظة. ومع ذلك، فإن الواقعية السياسية تفرض عدم إغلاق الباب بالكامل. فحتى المناورات، حين تُحاصرها الوقائع، قد تتحول إلى مساراتٍ حقيقية. لكن ذلك يظل مشروطًا بميزانٍ واضح: الانتقال من القول إلى الفعل، ومن المجاملة الخطابية إلى الالتزام البنيوي.

تلك الفكرة — فكرة الفاشية الدينية المتلبسة بالعنصريّة ووهم التفوق العرقي — لم تُنتج فقط استبدادًا سياسيًا، بل أفرزت منظومةً كاملة من العنف، بلغ ذروته في الإبادات الجماعية والانتهاكات التي لم تكن الحرب إلا أحد تجلياتها، لا سببها الطارئ. ومن هذا المنظور، فإن أي خطابٍ تصالحي لا يسبقه تفكيكٌ صريح لهذه البنية، ولا يعقبه التزامٌ عملي بمغادرتها، يظلّ معلقًا بين احتمالين: إما أنه تعبيرٌ عن يقظةٍ متأخرة، أو أنه مجرّد مناورةٍ محسوبة في زمنٍ لم يعد يسمح بالخطاب القديم.

وهنا يكتسب السياق الدولي الراهن أهميةً خاصة. فقرار واشنطن بتصنيف الشبكة الإخوانية في السودان ضمن قوائم الإرهاب — وهو تطورٌ طال انتظاره — لا يمكن قراءته كإجراءٍ رمزي فحسب، بل كمؤشرٍ على تحوّلٍ أعمق في كيفية التعامل مع هذه المنظومة. إذ لم تعد تُرى كحزبٍ سياسي، بل كشبكةٍ عابرة للحدود، تتشابك فيها الأموال المنهوبة مع التنظيم العقائدي والمليشيات المسلحة.

إن تفكيك هذه الشبكة — كما أشار الأستاذ هشام هباني بوضوح — يبدأ من تتبّع أموالها واستثماراتها المنتشرة في الإقليم والعالم، تلك التي لم تكن يومًا مشاريع طبيعية، بل وقودًا دائمًا لدورات العنف والانقلاب. ويمتد ليشمل المليشيات التي تعمل تحت لافتات متعددة، لكنها تلتقي جميعًا في خدمة مشروع واحد: إبقاء الدولة رهينة للسلاح، والمجتمع أسيرًا للخوف، والسياسة مختزلة في صراع على الغنائم.

فإذا تُركت هذه الأذرع خارج دائرة المساءلة، فإن أي تصنيف سيبقى ناقصًا، وأي مصالحة ستظل معلقة في الهواء. إذ لا يمكن بناء سلامٍ حقيقي في ظل بنيةٍ تحتفظ بأدوات الحرب، ولا يمكن الوثوق بخطابٍ مدني يصدر عن منظومة لم تتخلَّ عن شروط القوة التي صنعت مأساتها.

السؤال، إذن، ليس في جمال العبارة، بل في صدقية التحول: هل نحن أمام مراجعةٍ فكرية تعترف بأن خلط الدين بالسلطة كان خطيئةً تأسيسية؟ أم أمام محاولةٍ لإعادة إنتاج المشروع ذاته، ولكن بلغةٍ أكثر تهذيبًا وأقل صدامًا؟ فالمشكلة، في أصلها، لم تكن مجرد انحرافاتٍ في التطبيق، ولا أخطاءً في التقدير، بل كانت كامنةً في الفكرة المؤسسة نفسها: فكرة الدولة التي تستمد مشروعيتها من تأويلٍ احتكاري للمقدّس، وتحوّل السياسة إلى امتدادٍ للعقيدة، والخصومة إلى صراعٍ صفري.

لقد بيّنتُ في مقالي “التجريبية: رحلة الوعي بين الأسطورة والدولة” أن الوعي لا يتشكل دفعةً واحدة، بل عبر صدماتٍ متراكمة تدفع الفاعلين إلى مراجعة مسلماتهم. لكن التاريخ القريب يُظهر أيضًا أن بعض التحولات لا تكون سوى استجاباتٍ تكتيكية لضغوطٍ داخلية وخارجية، لا مراجعاتٍ جذرية تمسّ الأساس.

ختامًا، إن السودان اليوم لا يحتاج إلى تحسين لغة السياسة فقط، بل أيضًا إلى إعادة تأسيسها. لا يحتاج إلى مصالحةٍ شكلية، بل إلى قطيعةٍ معرفية مع فكرة الدولة التي أفضت إلى هذه الكارثة. يحتاج إلى أفقٍ مدنيّ تُبنى فيه الشرعية على المواطنة، لا على التفويض الإلهي، وإلى نظامٍ يعترف بالتعدد لا يختزله في هيئة إجتماعية واحدة.

فإن كانت هذه اللغة الجديدة بدايةً لمثل هذا التحول، فمرحبًا بها — ولكن بحذر. وإن كانت مجرد التفافٍ على لحظة المحاسبة، فلن تكون إلا تكرارًا لتجربةٍ أثبتت، بما لا يدع مجالًا للشك، أن الأوطان لا تُنقذ بالبلاغة، بل تُبنى بالصدق، التجرد، والجسارة الفكرية.

 

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.