(كل ما نقول خلصنا الليل
يطلع باكر ليلا أطول
كل ما نقول كملنا الشيل
تطلع شيلة باكر أتقل
بس نتحمل ونصبر ونأمل
انو الجاي صباحا أجمل
لكن كيف..؟)
كلما أوشكنا من الوصول لنقطة فاصلة لايقاف حرب السودان، يخرج علينا (الإسلاميون) بحلقة جديدة من مسلسل العذا والألم، ونحن نرى العشرات يقضون حتفهم يوميا، ويفرّ الآلاف من جحيم الحرب.. الآن، لا تبدو قرارات إعادة تشكيل هيئة الأركان مجرد تغيير إداري داخل المؤسسة العسكرية، بل تعكس تحوّلاً عميقاً في طريقة إدارة الحرب، وربما في مستقبل البلاد بأكمله. تعيين الفريق أول ياسر العطا رئيساً للأركان ليس تفصيلاً عابراً، بل إشارة سياسية وعسكرية واضحة إلى أن كفة الحسم العسكري قد رجحت على حساب أي أفق للتسوية.
هذا القرار يأتي في وقت يئن فيه السودان تحت وطأة حرب أنهكت الإنسان والمكان، ودفعت الملايين إلى النزوح، ووضعت الدولة على حافة الانهيار. في مثل هذا السياق، كان المنتظر أن تتجه القيادة نحو تقليل التصعيد وفتح نوافذ للحلول، لا الدفع بشخصيات تُعرف بمواقفها الرافضة للتفاوض، والمتشددة في خطابها تجاه أي هدنة أو تسوية سياسية.
صعود هذا التيار داخل المؤسسة العسكرية يعكس، في جوهره، تحوّلاً من إدارة أزمة إلى إدارة معركة مفتوحة. وهو تحول يحمل في طياته رسالة مزدوجة: الأولى إلى الداخل، مفادها أن خيار الحرب مستمر بلا تراجع؛ والثانية إلى الخارج، بأن مسارات التفاوض الإقليمية والدولية لم تعد أولوية في حسابات القيادة الحالية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل يملك السودان ترف هذا الخيار؟ التجربة القريبة تقول إن الحروب التي تُدار بعقلية الإقصاء لا تنتهي بانتصار حاسم، بل بمزيد من التفتت. فكلما طال أمد القتال، تعمّقت الانقسامات، وتآكلت مؤسسات الدولة، وازدادت كلفة إعادة البناء.
الأخطر من ذلك، أن هذا التحول قد يعيد تموضع قوى ظلت تنتظر في الظل. فحين يغيب الخيار السياسي، تفتح الحرب أبوابها أمام كل من يسعى لاستعادة نفوذ أو فرض أجندة، حتى وإن كان الثمن هو بقاء البلاد في دائرة الصراع.
إن تعيين شخصية تُعرف برفضها للتفاوض على رأس هيئة الأركان لا يمكن فصله عن هذا السياق. فهو يعكس إرادة واضحة للمضي في خيار المواجهة، حتى لو كان ذلك على حساب فرص السلام. لكن التاريخ يُخبرنا أن السلام لا يأتي حين تُغلق الأبواب، بل حين تُفتح تحت الضغط.
اليوم، لا يحتاج السودان إلى مزيد من القادة الذين يجيدون إدارة الحرب، بقدر ما يحتاج إلى من يملكون شجاعة إيقافها. لأن المعركة الحقيقية لم تعد بين طرفين عسكريين، بل بين مستقبلين: مستقبل يُدار بالبندقية… وآخر تُبنى فيه الدولة على أنقاضها.
وفي هذا المفترق، يبدو أن القرار قد اتُّخذ. لكن السؤال الذي سيبقى: إلى أين يقود هذا الطريق؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.