ما عاد المشهد في السودان يُختزل في كونه نزاعاً مسلحاً، بل انزلق إلى كارثة واسعة النطاق تتداخل فيها حسابات إقليمية على حساب أرواح السودانيين.. ويبدو ما يجري أقرب إلى تحالف غير معلن تتقاطع فيه أطماع أنقرة، وتواطؤ القاهرة، وطموحات طهران، في مسار يفضي إلى تمكين كتائب «البراء بن مالك» وتحويل سماء السودان إلى ساحة مفتوحة لهجمات المسيّرات التي لا تميّز بين هدف عسكري ومنشأة مدنية.
تواصل أنقرة لعب دور «سمسار الحروب»، حيث تتدفق مسيّرات «بيرقدار» لتستقر في أيدي مجموعات مؤدلجة مرتبطة بتنظيم الإخوان المسلمين. ولم يقتصر الأمر على البيع، بل امتد إلى تدريب عناصر «كتائب البراء» على تقنيات القتال عن بُعد، بما يحوّل التكنولوجيا العسكرية إلى أداة لاستهداف المدنيين وتدمير البنية التحتية.
ويستدعي ذلك، وفق متابعين، مساءلة قطاع الصناعات العسكرية التركي، وفرض عقوبات دولية صارمة على أي خرق لحظر توريد السلاح.
في المقابل، وبينما ترفع القاهرة شعارات “أمن الجوار”، تتحدث معطيات عن دور لوجستي واستخباراتي يثير تساؤلات عميقة، خاصة مع الإشارات إلى إدارة عمليات جوية ومسيّرات من قاعدة شرق العوينات.. ويطرح هذا الواقع إشكاليات حول ازدواجية الموقف، لا سيما إذا ثبت تسهيل مرور السلاح أو العمليات لصالح أطراف يُعلن محاربتها. ويرى بعض المراقبين أن مثل هذا الدور إن صح يسهم في استنزاف السودان وتحويله إلى ساحة نفوذ غير مستقرة.
ويتجلى الأثر المباشر لهذا المشهد في استهداف الأعيان المدنية، حيث تحوّلت المدن والمرافق الخدمية إلى أهداف مفتوحة لمسيّرات الموت. ففي المجلد، سقط عشرات المدنيين تحت قصف عشوائي لا يميّز بين طفل ومقاتل. وفي الضعين، تعرّض مستشفى تعليمي للاستهداف، ما أوقع عشرات الضحايا من المرضى والنساء والأطفال. أما في نيالا، فتواصلت الضربات على الأحياء السكنية والمرافق المدنية، في نمط يُشير إلى استهداف واسع للأعيان غير العسكرية.
وفي سياق متصل، تعكس اللقاءات غير المعلنة بين قيادات عسكرية وضباط من الحرس الثوري الإيراني تحولاً خطيراً في طبيعة الصراع، مع مخاوف من انعكاساته على أمن البحر الأحمر. فمثل هذا التقارب قد يفتح الباب أمام تحويل الساحل السوداني إلى نقطة ارتكاز لأنشطة عابرة للحدود، بما يهدد حركة التجارة الدولية ويزيد من تعقيد المشهد الإقليمي.
ويرى خبراء ومراقبون أن ما يجري يتجاوز مجرد تداخل مصالح، ليقترب من عملية «تفكيك ممنهجة للدولة» تُدار عبر أدوات غير تقليدية، في مقدمتها المسيّرات والتحالفات غير المعلنة.
ويؤكد هؤلاء أن تعدد الفاعلين الخارجيين لا يعكس تنافساً بقدر ما يعكس تقاطع مصالح على حساب السيادة السودانية.
كما يشيرون إلى أن إدخال تكنولوجيا الطائرات المسيّرة بكثافة، خاصة عبر قنوات غير رسمية أو عبر جماعات مؤدلجة، غيّر قواعد الاشتباك بصورة حادة، وجعل الأعيان المدنية أهدافاً سهلة في حرب منخفضة التكلفة وعالية التأثير. ويرى مراقبون أن هذا التحول ينذر بتحويل السودان إلى ساحة اختبار مفتوحة لحروب الوكالة والتقنيات العسكرية الحديثة.
ويحذر محللون من أن التداخل بين الأجندات التركية- الإيرانية، رغم اختلافها الظاهري، يلتقي عند نقطة إضعاف الدولة الوطنية وتمكين الفاعلين غير النظاميين. كما أن أي دور لوجستي أو استخباراتي من دول الجوار، إن ثبت، من شأنه تعميق تعقيدات المشهد وزيادة احتمالات تدويل الصراع على نحو يصعب احتواؤه.
وفي الإطار ذاته، يربط خبراء بين استهداف المرافق المدنية ونمط «الضغط الشامل» الذي يُستخدم لإخضاع المجتمعات المحلية وكسر حواضنها الاجتماعية، وهو ما قد يندرج- وفق توصيفات قانونية- ضمن انتهاكات جسيمة ترقى إلى جرائم حرب.
ويخلص المراقبون إلى أن استمرار هذا المسار سيقود إلى تآكل ما تبقى من مؤسسات الدولة، ويفتح الباب أمام سيناريوهات التفكك، مع تحوّل السودان إلى بؤرة صراع إقليمي ممتد يصعب فصله عن خرائط النفوذ الكبرى.
ويبدو أن السودان يُستنزف على أكثر من جبهة، بينما يظل الصمت الدولي عاملاً يفاقم الأزمة ويمنح الفاعلين هامشاً أوسع للاستمرار. ويطرح ذلك أسئلة ملحّة حول سبل المساءلة وضرورة تحرك دولي يضع حداً لهذا النزيف، عبر إدراج المتورطين في قوائم العقوبات، وتشديد الرقابة على تدفقات السلاح، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في تأجيج هذا الصراع.
إن استمرار هذا المسار لا يعني فقط إطالة أمد الحرب، بل يهدد بإعادة تشكيل المنطقة على أسس أكثر هشاشة، فيما يظل الشعب السوداني الخاسر الأكبر في معادلة تتقاطع فيها المصالح وتتراجع فيها القيم.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.