(البيان الذي أصدرته الشرطة يعلن إنذارًا بالخطر لا الطمأنينة، ويكشف أن الخرطوم ما زالت تحمل آثار الحرب في بنيتها التحتية وأرضها، وأن حكومتها التي تتقاسم أرباح استثمارات الحرب لا تريد أن تخسر مليماً واحدًا لنزع الألغام.)
طيف أول:
الحلم هو الأرض التي تُزهر بالطموح حين يسود السلام، لكنه يتحول في زمن الحروب إلى جرحٍ مفتوح، يئن تحت رماد المعارك وينتظر يدًا تُعيد له الحياة.
عاد صوت الخطر يهدد المواطن في ولاية الخرطوم، حيث لا يتوقع مبررًا لاستمرار الخوف وانعدام الأمان بعد أن قالت الحكومة إن العاصمة صالحة للسكن . وفسرت وزارة الداخلية، باسم رئاسة قوات الشرطة، للمواطن أن دوي الانفجار الذي سُمع مساء أمس الجمعة بمنطقة بري شرق العاصمة الخرطوم ناتج عن انفجار لغم أرضي من مخلفات الحرب.
لكن قول الشرطة إن الانفجار لم يسجل أي خسائر بشرية أو مادية هو إما استهتار صريح بحياة المواطنين، أو أنها لا تدرك خطورة وجود ألغام داخل العاصمة الخرطوم التي أقنعت الحكومة المواطن بالعودة إليها لأنها آمنة .
فمتى يكون اللغم خطيرًا في نظر الشرطة؟ هل فقط بعد أن يخلف خسائر في الأرواح، أم أن مجرد وجود ألغام وسط منازل السكان هو الخطر الذي لا تعلمه الشرطة؟
وعندما حذرنا من العودة إلى الخرطوم قبل وصول فرق متخصصة في جمع الألغام وتصحيح البيئة من التلوث وإزالة مخلفات الحرب، كنا ندرك أنه سيأتي اليوم الذي تنفجر فيه الأوضاع، إما بانتشار الأوبئة أو بانفجار الألغام.
وقالت الشرطة إن الحادث وقع عقب قيام بعض المواطنين بإشعال حريق في مخلفات بالمنطقة، ما أدى إلى انفجار اللغم بشكل عرضي، وكأنها تريد أن تقول: “المواطن هو الغلطان”. وأضافت أن الوضع تحت السيطرة، مشيرة إلى أن الانفجار لا يرتبط بأي عمل جنائي.
ولا أدري كيف تكون السيطرة على ألغام تحت الأرض وهي لا تعلم مكانها، حتى إنه ربما ينفجر اللغم في سيارة الشرطة نفسها.
ودعت الداخلية إلى ضرورة توخي الحذر والإبلاغ الفوري عن أي أجسام مشبوهة أو مخلفات حرب حفاظًا على الأرواح والممتلكات. لكن كيف يعرف المواطن أن هذا الجسم مشبوه؟
ما حدود خبرته في نزع الألغام؟
وهو الذي تقع عليه مسئولية نظافة المنطقة من مخلفات الحرب والنفايات المتراكمة، وربما يكون اللغم تحت ركام المخلفات.
لذلك فإن البيان الذي أصدرته الشرطة يعلن إنذارًا بالخطر لا الطمأنينة، ويكشف أن الخرطوم ما زالت تحمل آثار الحرب في بنيتها التحتية وأرضها، وأن حكومتها التي تتقاسم أرباح استثمارات الحرب لا تريد أن تخسر مليماً واحدًا لأجل هذا المواطن الذي يجمع مخلفات حرب لا ناقة له فيها ولا بعير.
وقد تكون هناك مناطق آمنة نسبيًا، لكن بلا شك أن هناك مناطق أخرى معرضة لمخاطر بسبب الألغام أو الذخائر غير المنفجرة. والسلطات التي تقول إنه يجب أن يتوخى المواطن الحذر هي نفسها التي دفعته إلى دائرة الخطر. فمجرد وجود هذه المخلفات يطرح سؤالًا عن مستوى الأمان العام.
ووجود ألغام في مناطق سكنية ـ لو تعي الداخلية ـ يُعتبر انتهاكًا لمعايير القانون الدولي الإنساني، الذي يلزم الأطراف المتحاربة بإزالة المخلفات بعد انتهاء النزاع. واستمرار هذه المخاطر يضع عبئًا ومسئولية مباشرة على الدولة لتأمين حياة المدنيين، ويُظهر أن الخرطوم لم تستعد بعد بشكل كامل للحياة الطبيعية.
فالحق في السكن الآمن لا يقتصر على وجود منزل وكهرباء، بل يشمل بيئة خالية من المخاطر غير المتوقعة. وإعادة الإعمار تبدأ من إزالة مخلفات الحرب قبل بناء الجدران، ولن تستعيد الخرطوم عافيتها إلا حين يصبح العيش فيها خاليًا من تهديدات كامنة تحت الأرض.
والشرطة في بيانها أمس كأنها تربت على كتف المواطن وتقول له “معليش”، بالرغم من أن الحادث كان يجب أن يستدعي الحذر عندها لا عنده، لأن الحادثة ربما تتكرر ولو بعد مرور عشر سنوات.
وليس هناك بلد يعود فيه المواطن إلى مسكنه بعد الحرب دون أن تقوم الحكومة بالعمل مع منظمات دولية لتهيئة الأرض والمناخ إلا السودان. فالحكومة دعت المواطنين للعودة وكأنهم خرجوا ليستثمروا في بلد آخر أو يقضوا عطلتهم الصيفية.
فالعديد من الدول التي عانت من الحروب تعاملت مع مشكلة الألغام الأرضية عبر برامج وطنية ودولية لإزالتها، بمشاركة الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، حيث نجحت دول مثل موزمبيق وأنغولا التي عانت من ملايين الألغام بعد الحرب الأهلية. وأطلقت حملات واسعة بمساعدة دولية، واستخدمت فرق بشرية وكلابًا مدربة وتقنيات حديثة، ونجحت في إعلان أراضيها شبه خالية من الألغام بعد سنوات طويلة من العمل المكثف، ومن ثم عادت الحياة فيها لطبيعتها.
لكن في بلادنا، تقوم الحكومة بعمل مكثف لسنوات لتجعل الخرطوم بالحرب “مشتلاً” للألغام، وتدعو المواطن ليعيش حياة غير طبيعية، ومع ذلك تقول له: “احذر أن تطأ قدماك لغمًا!!”
طيف أخير:
كل القرارات التي يتخذها البرهان بعد الإجراءات العسكرية الأخيرة هي قرارات كيزانية خالصة، بما فيها تشكيل حكومة تنفيذية. فالفلول عادت إلى الحكم عبر بوابة الجيش، وستبدأ في شراء الشخصيات السياسية المتسكعة على الرصيف السياسي.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.