منشقون يُكرَّمون… ومدنيون يُشنَقون: العدالة على مقاس المزاج

دار السلام وداعة

في مشهد يبدو فيه السودان وكأنه يعيد تعريف العدالة تحت دخان الحرب، أصدرت محكمة الخرطوم شرق “ب” أحكاماً بالإعدام شنقاً على خمسة أشخاص، بينهم أجنبي، إلى جانب أحكام بالسجن لخمس سنوات بحق ثلاثة آخرين، بعد إدانتهم بتهم تتعلق بـ”التعاون مع قوات الدعم السريع”، وإثارة الحرب ضد الدولة، وتقويض النظام الدستوري.

 

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: أيُّ نظام دستوري يُحاكَم الناس باسمه اليوم؟ وهل ما تزال هناك دولة تحكمها مؤسسات وقانون، أم أن البلاد تُدار بمنطق الطوارئ والحرب؟

 

في ظاهرها، تبدو الأحكام امتداداً لمنطق الدولة في معاقبة من تعتبرهم خصوماً أو متعاونين مع العدو. غير أن التناقض الصارخ يكمن في الطريقة التي تُوزَّع بها صفة “الخيانة” و”الوطنية” وفقاً لموازين القوة، لا لمعايير العدالة.

 

ففي الوقت الذي يواجه فيه مدنيون أحكاماً تصل إلى الإعدام بسبب تهم فضفاضة مثل “التعاون”، يُستقبل قادة ومنسوبون سابقون لقوات الدعم السريع استقبال الأبطال فور إعلان انشقاقهم، وتُفتح لهم المنابر، ويُقدَّمون باعتبارهم أبناءً عادوا إلى “حضن الوطن”، بل ويُعاد تدوير بعضهم داخل المشهدين السياسي والعسكري وكأن شيئاً لم يكن.

 

هنا يبرز السؤال الأخطر: كيف يتحول من حمل السلاح وقاتل ضمن صفوف الدعم السريع إلى “وطني” بمجرد تغيير موقعه، بينما يُدان مدني أعزل لأنه عاش في منطقة خاضعة لسيطرة الأمر الواقع، أو اضطر للتعامل معها من أجل البقاء؟

 

في مناطق الحرب، لا يملك المدنيون رفاهية الاختيار. الناس هناك يعيشون تحت سلطة السلاح، بلا حماية، ولا مؤسسات، ولا خيارات حقيقية. ولذلك فإن توسيع مفهوم “التعاون” ليشمل كل أشكال التعايش القسري مع واقع الحرب، يعني عملياً تجريم النجاة نفسها.

 

الأخطر من ذلك أن هذه الأحكام تأتي في سياق مشحون بخطاب الكراهية والاستقطاب، حيث جرى خلال الحرب وصم مجموعات اجتماعية وثقافية كاملة على أساس الهوية أو الجغرافيا أو حتى الملامح. ثم، وبمجرد تغيّر التحالفات، أُعيد تقديم بعض الوجوه ذاتها باعتبارها جزءاً من “المعسكر الوطني”.

 

هذا التناقض لا يكشف فقط هشاشة الخطاب السياسي، بل يفضح أيضاً الطريقة التي تُصاغ بها مفاهيم الوطنية والخيانة وفق ميزان القوة والمصلحة، لا وفق القانون والعدالة.

 

كما أن قصصاً إنسانية عديدة تم تداولها خلال الأشهر الماضية — من بينها قضية “الأم مريومة” — كشفت إلى أي حد أصبحت تفاصيل الحياة اليومية في مناطق النزاع قابلة للتحول إلى تهم خطيرة أو أحكام أخلاقية قاسية. ففي بيئة تختلط فيها الحرب بالخوف والنجاة، يصبح حتى تقديم الماء أو الطعام فعلاً قابلاً للتأويل والاتهام.

 

المشكلة ليست في مبدأ المحاسبة؛ فمحاسبة مرتكبي الجرائم ضرورة لا جدال حولها، سواء كانوا من الدعم السريع أو الجيش أو أي طرف آخر. لكن الأزمة الحقيقية تكمن في العدالة الانتقائية: حين تُفتح أبواب التسويات والغفران لمن يحملون السلاح، بينما يُترك المدنيون وحدهم في مواجهة أقسى العقوبات.

 

لا يمكن بناء دولة قانون بهذه الطريقة. فالعدالة التي تُستخدم وفق المزاج السياسي، وتشتد على الضعفاء وتلين أمام أصحاب القوة، ليست عدالة، بل إدارة للصراع بأدوات قانونية.

 

السودان اليوم لا يحتاج إلى عدالة تُفصَّل بحسب الولاءات والتحالفات، بل إلى منظومة قانونية عادلة لا تُفرّق بين حامل السلاح والمدني، ولا تجعل من تبديل المواقع السياسية صكَّ براءة تلقائياً، بينما يتحول المواطن البسيط إلى كبش فداء دائم.

 

وفي النهاية، فإن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في الأحكام نفسها، بل في الرسالة التي تُرسل إلى المجتمع: أن القوة هي التي تحدد من هو الوطني… لا القانون.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.