تشير التغييرات الأخيرة التي أجراها قائد الجيش عبد الفتاح البرهان في قمة هرم القوات المسلحة السودانية إلى محاولة أكثر نضجا لإعادة ترتيب المؤسسة العسكرية بما يتجاوز المعالجات الجزئية نحو إعادة بناء مركز القوة داخل الدولة .
في جوهر هذه التعديلات يبرز اتجاه واضح نحو تقوية الجيش كمؤسسة نظامية موحدة خاصة مع إعادة تموضع الفريق ياسر العطا الذي يتمتع بقدر معتبر من القبول داخل الجيش الأمر الذي يمنح هذه التغييرات سندا داخليا مهما كما أن تفعيل قطاعي التدريب والإمداد يعكس رغبة صريحة في إعادة التأهيل ورفع الكفاءة وإعادة الثقة إلى جانب ضبط حركة السلاح والحد من انتشاره خارج الأطر النظامية .
هذه الخطوات تكشف أن الهدف المركزي هو إعادة الاعتبار للجيش وتقليل الاعتماد على المليشيات التي باتت أكثر حضورا في الميدان وأكثر تأثيرا في القرار السياسي وعلى رأسها القوات المشتركة وبعض التشكيلات الأخرى التي تحولت إلى مراكز قوة موازية بل ومهددة لتوازن السلطة. ومن هنا يمكن فهم هذه التغييرات أيضا كاستجابة لقلق متزايد من تمدد هذه القوى وتزايد الرفض الشعبي لها في مناطق سيطرة الجيش .
وفي بعد مواز تحمل هذه التعديلات إشارات ضمنية إلى إعادة النظر في بنية الحكم بما في ذلك مستقبل المجلس السيادي إذ إن التراتبية العسكرية بوضعها الجديد يطرح تساؤلات حول منطق استمرار التمثيل الحالي داخل المجلس خاصة في ظل مفارقات الأقدمية العسكرية .
سياسيا تعكس الخطوة كذلك نزوعا نحو تعزيز سيطرة البرهان على القرار مع محاولة إعادة تشكيل مراكز النفوذ داخل الجيش والتقليل من تأثير المجموعات المرتبطة بالإسلاميين في رسالة مزدوجة تستهدف استعادة الثقة داخليا وطمأنة الفاعلين الإقليميين والدوليين .
ورغم أهمية هذه التغييرات فإنها تظل في أفضل الأحوال (نصف خطوة) تسهم في تهيئة الظروف لوقف الحرب عبر إعادة ضبط المؤسسة العسكرية لكنها بالتأكيد غير كافية للتأثير على المواقف الدولية خاصة القرار الأمريكي بشأن تصنيف الحركة الإسلاموية كتنظيم إرهابي . إذ إن مثل هذه التحولات تتطلب ما هو أبعد من إعادة هيكلة الكابن العسكري ليشمل التزاما سياسيا واضحا بمسارات الحكم المدني .
وفي هذا الإطار يظل الانخراط في مقررات الآلية الرباعية وعلى رأسها إبتعاد كافة القوات العسكرية والار،هابيين عن رسم مستقبل البلاد شرطا أساسيا لأي قبول دولي حقيقي فالمجتمع الدولي لم يعد ينظر فقط إلى من يسيطر على السلاح بل إلى من يمتلك الشرعية السياسية لإدارة المرحلة الانتقالية.
خلاصة القول إن هذه التعديلات تمثل محاولة لإعادة بناء الجيش واستعادة احتكاره المشروع للقوة لكنها تظل خطوة ناقصة ما لم تستكمل بإصلاح سياسي يضع حدا لتداخل العسكري مع السياسي ويؤسس لمرحلة جديدة تدار فيها الدولة بعيدا عن مجد البندقية.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.