من رجب أبريل إلى نفق أبريل هل العلة في “السودانوية” أم في “النخبوية”؟

محمد صالح محمد

بين السادس من أبريل 1985، والسادس من أبريل 2019، والسادس من أبريل الحالي يبدو التاريخ السوداني وكأنه يدور في “متوالية صدمات” لا تنتهي.
ليست المصادفة هي ما يجمع هذه التواريخ بل هو البحث المستمر عن “الدولة الضائعة” وسط ركام الانقلابات والحروب الأهلية.
اليوم والوطن مثخن بجراحه يبرز السؤال الوجودي الأكثر إلحاحاً ومرارة هل المشكلة تكمن في الجينات السياسية للشعب السوداني أم أنها أزمة نخبة أدمنت الفشل واحتكرت صناعة الخراب؟
ذاكرة أبريل من “الانتفاضة” إلى “الاعتصام” في رجب (أبريل 1985) أسقط السودانيون نظاماً شمولياً عبر حراك مدني باهر لكن الفرحة لم تدم طويلاً إذ سُرقت التجربة الديمقراطية الثالثة من قبل الجبهة الإسلامية القومية.
تكرر المشهد في أبريل 2019؛ زحف الملايين نحو القيادة العامة في مشهدية أذهلت العالم تجسد فيها شعار “حرية، سلام، وعدالة”.
كان الاعتصام مختبراً للقيم السودانية “المثالية” تكافل، وعي، وسلمية مطلقة لكن ما بعد أبريل 2019 كشف عن فجوة هائلة بين “أشواق الشارع” و*”أطماع الغرف المغلقة”* تلك الفجوة هي التي قادتنا من منصات الاعتصام إلى خنادق الحرب في أبريل الحالي.
تشريح الأزمة هل هي “مشكلة شعب”؟ ثمة تيار يلقي باللائمة على الشخصية السودانية متحدثاً عن “الكسل السياسي” أو “العاطفية المفرطة” التي تمنح الشرعية لجلاديها لكن القراءة الموضوعية تدحض هذا الطرح فالشعب السوداني هو المعلم الأول في المنطقة العربية والأفريقية لفنون العصيان المدني (أكتوبر 1964، أبريل 1985، ديسمبر 2018).
المواطن البسيط هو من يدفع فاتورة الحرب والنزوح وهو من أثبت في غرف الطوارئ الحالية أن “الإنسان السوداني” ما زال يمتلك طاقة للبناء والتضحية عجزت عنها الدولة.
إذن0العلة ليست في “الشعب” ككتلة بشرية بل في كيفية تأطير هذه الكتلة وتحويل طاقتها إلى مشروع دولة مستدام.
أزمة المثقف والسياسي “نرجسية النخبة” هنا تكمن العقدة الحقيقية فالسياسيون والمثقفون في السودان تاريخياً عانوا من انفصال بنيوي عن واقع القاعدة الشعبية ويمكن رصد ملامح هذه الأزمة في ثلاث نقاط: الإيديولوجيا الصماء: تحولت الأحزاب إلى “كانتونات” مغلقة تتصارع على المبادئ الفكرية (يسار، يمين، وسط) بينما البلاد تفتقر للخدمات الأساسية.
شهوة السلطة السريعة: منذ الاستقلال كانت النخب السياسية (مدنية وعسكرية) تفضل “التحالفات التكتيكية” للوصول إلى الكرسي على حساب “التوافقات الاستراتيجية” لبناء الوطن.
فشل المثقف “عضويًا”: لم يستطع المثقف السوداني صياغة “مشروع وطني” جامع يذيب الفوارق العرقية والجهوية بل أضحى في كثير من الأحيان “منظراً” للسلطة أو “محبطاً” يكتفي بالنقد من الخارج.
التلازم المأساوي بين العسكر والمدنيين المشكلة السياسية في السودان لم تكن يوماً بين “مدنيين ملائكة” و”عسكريين شياطين” بل في ثقافة سياسية تجعل من “البندقية” أقصر طريق للحكم ومن “الشرعية الثورية” شيكاً على بياض للإقصاء.
أبريل الحالي يواجهنا بالحقيقة العارية أن التراشق السياسي بين النخب هو الذي مهد الطريق للرصاص وأن “التمترس خلف المواقف” أضاع فرصة التحول الديمقراطي التي فداها الشباب بدمائهم في 2019.
المخرج من نفق “أبريل” إن الوطن الجريح الذي نراه اليوم ليس نتيجة لـ “لعنة تاريخية” بل هو نتاج طبيعي لغياب “العقد الاجتماعي”.
المشكلة ليست فينا كسودانيين في فطرتنا بل في “منظومتنا الإدارية والسياسية” التي شاخت ولم تعد قادرة على استيعاب تطلعات الأجيال الجديدة.
6 أبريل الحالي يجب أن يكون وقفة للمراجعة الكبرى و الحل يبدأ بـ: تجاوز النخب التقليدية لمنطق “المحاصصة”.
كف المثقفين عن التعالي على الجماهير.
إدراك أن الوطن لا يُبنى بالانتصارات العسكرية الصغيرة بل بالتنازلات السياسية الكبيرة.
السودان اليوم لا يحتاج إلى “ثورة جديدة” بقدر ما يحتاج إلى “عقل سياسي جديد” ينهي حلقة “الرجبية الأبريلية” المفرغة ويضع حداً لنزيف الوطن الذي ضاع بين أحلام الشعب وكوابيس النخبة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.