كمال حسن علي.. أقنعة الدبلوماسية وذاكرة العيلفون

عمود: عين الحقيقة

في المشهد السوداني المأزوم، لا تبدو المفارقات مجرد صدفة، بل تكاد تكون قاعدة. فأن يتحول رجل ارتبط اسمه بواحدة من أكثر الحوادث مأساوية في تاريخ البلاد الحديث إلى وجهٍ للعمل الإنساني في عاصمة عربية، يطرح سؤالاً أكبر من الأشخاص: كيف تُعاد صياغة الذاكرة العامة، ومن يملك حق إعادة التقديم؟

في القاهرة، يظهر كمال حسن علي بثوب مختلف؛ راعياً لمبادرات اجتماعية، ومسهماً في تخفيف معاناة السودانيين العالقين. صور تفيض بلغة التضامن، وخطاب مفعم بالمفردات الإنسانية. لكن خلف هذا المشهد تقف ذاكرة لا تمحى بسهولة، تعود إلى ليلة أبريل 1998، حين تحولت معسكرات الخدمة الوطنية إلى مسرح مأساة، لا تزال تفاصيلها حاضرة في وجدان كثيرين.

ليست القضية هنا في شخص بقدر ما هي في المفهوم. هل يمكن للعمل الإنساني أن يكون معزولاً عن التاريخ؟ وهل تكفي المبادرات الاجتماعية لإعادة تعريف الأدوار، أو لتخفيف وطأة الاتهامات التي لم تُحسم أخلاقياً، حتى وإن تعثرت قانونياً؟

أنصار هذا الحضور الجديد يرونه امتداداً طبيعياً لمسار سياسي ودبلوماسي، بينما يراه آخرون محاولة لإعادة التموضع، أو ما يمكن تسميته بـ”تبييض السمعة” عبر بوابة العمل العام. وبين هذا وذاك، تبقى الحقيقة معلقة بين روايات متعددة، لكن ضحايا الماضي لا يملكون رفاهية النسيان.

المؤلم في هذا المشهد ليس الجدل نفسه، بل اعتياد تكراره. فكلما غابت العدالة أو تأخرت، فُتحت الأبواب لعودة الأسئلة القديمة في أثواب جديدة. وهنا تحديداً، يصبح العمل الإنساني ساحة اختبار، لا للنوايا، بل للذاكرة الجماعية وقدرتها على التمييز بين الفعل والسياق.

في نهاية المطاف، لا تُقاس قيمة المبادرات بحجمها فقط، بل أيضاً بالسياق الذي تُطرح فيه. فالتاريخ لا يُمحى بتبديل الأدوار، ولا تُطوى صفحاته ببيانات التضامن. وحدها العدالة، حين تتحقق، قادرة على إعادة ترتيب المشهد، ووضع كل شيء في مكانه الصحيح.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.