العيلفون 1998… حين حاول نظام الكيزان إغراق الحقيقة في النيل

تقرير : عين الحقيقة

“عيد الدم في العيلفون”.. كواليس المجزرة التي حاول النظام دفنها في عتمة النيل

في الثاني من أبريل عام 1998، وبينما كان السودانيون يستعدون لاستقبال “تكبيرات العيد”، كانت الرصاصات في معسكر “العيلفون” للتجنيد القسري تكتب فصلاً هو الأكثر قتامة في تاريخ البلاد الحديث. مائة وسبعة عشر شاباً في مقتبل العمر، لم يكن ذنبهم سوى الشوق لأسرهم، تحولوا في ليلة واحدة إلى جثث تطفو على صفحة النيل أو تُوارى الثرى في مقابر جماعية سرية.

بداية المأساة: التجنيد بالقوة

في تلك الحقبة، كان نظام “الإنقاذ” يقود حملات “كشة” واسعة لاقتِياد الطلاب والشباب من الشوارع ووسائل المواصلات إلى معسكرات الخدمة الإلزامية. وكان معسكر العيلفون (شرق الخرطوم) يضم آلاف الطلاب الذين سُحبوا قسراً لزجهم في حرب الجنوب.

ومع حلول وقفة عيد الأضحى، طالب المجندون بإجازة قصيرة لقضاء العيد مع ذويهم، وهو مطلب قوبل بالرفض والتهديد من قبل إدارة المعسكر بقيادة “كمال حسن علي”.

ليلة الرصاص والهروب نحو الموت

بعد صلاة العشاء، قرر المئات من الطلاب الخروج بشكل جماعي احتجاجاً على منعهم من الإجازة. وحسب شهادات الناجين، لم تتردد حامية المعسكر في استخدام القوة المميتة:

إطلاق النار المباشر: فُتحت نيران المدافع والرشاشات على صدور شباب عُزّل حاولوا تسلق أسوار المعسكر.

الفخ المائي: فرّ العشرات نحو النيل الأزرق هرباً من الرصاص، لكن مياه النهر وطلقات القناصة كانت لهم بالمرصاد؛ فغرق كثيرون ممن لا يجيدون السباحة تحت وطأة الرعب.

 

التستر على الجريمة: “المقابر الجماعية”

بدلاً من تسليم الجثث لذويهم، سارعت الأجهزة الأمنية إلى عملية “تنظيف” واسعة لمسرح الجريمة:

الدفن السري: نُقلت الجثث تحت جنح الظلام بشاحنات عسكرية إلى مقابر (الصحافة، فاروق، البكري، وأم بدة).

طمس الهوية: دُفن الضحايا دون غسل أو كفن، وفي حفر جماعية دون شواهد تدل على أسمائهم، في محاولة لطمس معالم الجريمة.

 

الرواية الرسمية

خرج النظام آنذاك برواية تزعم غرق (55) طالباً فقط أثناء محاولتهم الهروب، نافياً استخدام الرصاص الحي، وهي الرواية التي دحضتها لاحقاً تقارير الطب الشرعي بعد ثورة ديسمبر.

ملحمة الصمود: العيلفون تفتح أبوابها

وسط هذه الوحشية، سطر أهالي منطقة “العيلفون” موقفاً تاريخياً؛ إذ خرجوا إلى الشوارع متحدين حظر التجول، وفتحوا بيوتهم ومخازنهم لإيواء الطلاب الفارين. كما رفضوا تسليم أي شاب لقوات الأمن، وقاموا بتهريب الناجين إلى بر الأمان بملابس مدنية.

العدالة الغائبة وفتح القبور

لأكثر من عقدين، ظل ملف “مجزرة العيلفون” مغلقاً، بل تمت مكافأة المتورطين بمناصب دبلوماسية رفيعة. لكن مع سقوط النظام، بدأت لجان التحقيق في عام 2020 بنبش المقابر الجماعية في “الصحافة”، حيث أثبتت الفحوصات وجود ثقوب رصاص في جماجم ورفات الضحايا، ما أكد حدوث تصفية جسدية متعمدة.

خاتمة: الذاكرة لا تشيخ

تظل ذكرى 2 أبريل 1998 صرخة في وجه النسيان. إن توثيق هذه الجريمة اليوم ليس فقط لاستعادة الحقوق المعنوية للضحايا، بل لضمان عدم تكرار مثل هذه الفظائع في تاريخ السودان، ولتظل دماء “أطفال العيلفون” شاهداً على جريمة لم تُطوَ صفحاتها بعد.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.