رصدت منظمة “مراسلون بلا حدود” في تقريرها السنوي لعام 2026 تراجعاً جديداً لحرية الصحافة في السودان، إذ تراجع السودان إلى مواقع متأخرة من أصل 180 دولة في مؤشر المنظمة، مقارنة بالمركز 156 في العام السابق، في مشهد يُعكس تراكماً متصاعداً من الانتهاكات لم ينقطع منذ انقلاب أكتوبر 2021 ولم يتوقف مع اندلاع الحرب في أبريل 2023.
والتراجع السوداني ليس حادثة معزولة، بل يأتي في سياق عالمي بالغ القتامة؛ إذ وصف تقرير مراسلون بلا حدود 2026 حرية الصحافة في العالم بأنها تمر بأسوأ مستوياتها منذ ربع قرن.
وأكد المدير العام للمنظمة أن عدد الدول التي تضمن فيها حرية الصحافة آخذ في التناقص، وأن أكثر من نصف دول العالم باتت تقع ضمن فئتي “الصعب” و”الخطير جدًا”.
على الصعيد السوداني تحديداً، أشارت المنظمة إلى أن الانقلاب العسكري في 25 أكتوبر 2021 أعاد “أساليب الرقابة والتحكم بالمعلومات”، بينما أدى اندلاع الحرب لاحقاً إلى تصاعد التهديدات والانتهاكات ضد الصحافيين، ما دفع كثيرين منهم إلى اللجوء إلى دول مجاورة.
وتُجسِّد هذه الصورة امتداداً طبيعياً لمسار تاريخي بدأ منذ العقد الأول لحكم الحركة الإسلامية في تسعينيات القرن الماضي، حين أرست نظام “الإنقاذ” منظومة متكاملة من القيود على الصحافة، تمثلت في فرض الرقابة المسبقة، ومصادرة الصحف، واستخدام الإعلام أداةً للتعبئة القبلية والأيديولوجية. وقد أفرز ذلك ما يمكن تسميته بـ”الصحافة القبلية”، حيث باتت المؤسسات الإعلامية مرتبطة بالانتماءات الجهوية والسياسية بدلاً من معايير المهنة.
وكشف التقرير عن استمرار احتجاز صحفيين وعاملين في القطاع حتى تاريخ صدوره، في حين أفاد الأمين العام لنقابة الصحفيين السودانيين بأن النقابة وثقت مقتل 34 صحفياً منذ اندلاع الحرب، بينهم 5 صحفيات، مؤكداً أن التصنيف الدولي لا يعكس سوى جزء محدود من الواقع. وتُضاف إلى ذلك إحصاءات مستقلة أشد قتامة؛ إذ رصدت لجنة حماية الصحافيين مقتل ما لا يقل عن 16 صحفياً على يد طرفي النزاع، إضافة إلى اختطاف ثمانية صحافيين .
أما على صعيد الحرب الإعلامية الموازية، فثمة ظاهرة لا تقل خطورة عن الانتهاكات الميدانية، تتمثل في توظيف حكومة بورتسودان لإعلاميين من خارج السودان لدعم السردية الرسمية للجيش وتسويق رواية الحرب على المستوى الإقليمي والدولي. وقد رصد مراقبون ومتابعون إشارات إلى تورط أسماء إعلامية عربية في هذا الإطار مقابل مكاسب مالية، وهو ما يُمثِّل في حقيقته شكلاً من أشكال “الإعلام المأجور” الذي يُشوِّه المشهد ويُضلِّل الرأي العام الإقليمي، ويزيد من صعوبة الوصول إلى رواية صحفية موضوعية عن الحرب.
ولا يمكن قراءة هذا المشهد بمعزل عن البنية السياسية التي تحكم السودان منذ الحرب، إذ يرى مراقبون أن الحكومة التي تدير المناطق الواقعة تحت سيطرة الجيش السوداني تمضي على نهج النظام السابق وتطبق سياساته نفسها، وقد شنت حملات إعلامية منظمة في خدمة أجنداتها.
وهذا كل يفسر الإصرار على تضييق المساحات الإعلامية المستقلة وتجفيف منابع المعلومات الموضوعية.
وفي مفارقة لافتة، احتلت جنوب السودان التي انفصلت عن الشمال عام 2011 مرتبة أفضل في المؤشر ذاته، وهي مفارقة تُلقي بظلالها على مسؤولية الدولة السودانية التاريخية في تدمير المشهد الإعلامي، إذ لم تُفلح عقود من “الدولة المركزية” في إرساء بيئة صحفية آمنة، بينما تجد دولة حديثة النشأة تعاني هي الأخرى من صراعاتها الداخلية مساحةً أرحب نسبياً لممارسة مهنة الصحافة.
يبقى المشهد السوداني الإعلامي أمام معادلة بالغة التعقيد: صحفيون في قلب منطقة حرب، سلطتان تتقاتلان وتُحكمان قبضتيهما على تدفق المعلومات، وإرث راسخ من ثقافة تكميم الأفواه. وفي غياب أي أفق سياسي قريب لوقف الحرب، تبدو إمكانية التحسين في مؤشرات حرية الصحافة ضرباً من التفاؤل المُجرَّد من رصيد واقعي.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.