قديمًا قالوا “تحدث كي أراك”، واليوم تتحدث جماعة الإخوان بكل جبهاتها، وتُحدث ضجيجًا كبيرًا، ومن أكثر من يتحدثون ويكشفون حقيقة فكر الجماعة الإرهابية القيادي التربوي محمد إلهامي، الذي تُعدّه الجماعة ليكون أحد مُنظّريها في المرحلة الحالية. والعجيب أنّه كلما تحدث إلهامي أو غيره من قيادات الإخوان، اكتشفنا بصورة أو بأخرى أنّ معظم الشعارات التي رفعتها الجماعة قبل أزمتها في 30 حزيران/يونيو 2013 كانت شعارات زائفة ومراوِغة.
كانوا يزعمون أنّهم مجرد تيار ديني إصلاحي، يسعى إلى إصلاح الدين والسياسة، ثم اكتشف المجتمع أنّهم أبعد ما يكونون عن الإصلاح، وها هو ذا “إلهامي” يقول دون أن يدري، أو ربما يدري: “إنّ الإخوان ضد أسس الدولة الوطنية الحديثة، وإنّهم يريدون هدمها لأنّها ببساطة ليست إسلامية”. هنا يجب على المجتمع أن يشير إلى مواطن الخطر في فكر الجماعة الإرهابية ليكون الضمانة الحقيقية لعدم عودة أفكارهم إلى المجتمع.
المتابع للعديد من تصريحات قيادات الإخوان الفكرية عن تصورهم للدولة يكتشف بسهولة أنّ الدولة في تصورهم ما تزال حبيسة الصورة البدائية التي عرفتها المجتمعات القديمة في القرون الوسطى، مع تجاهل كامل لكل التطورات التي شهدها الفكر السياسي الحديث، والتي أسست لفكرة الدولة الوطنية المعاصرة، أو الدولة كما يعرفها سعد الدين إبراهيم في كتاب المجتمع والدولة في الوطن العربي “هي كيان سياسي قانوني ذو سلطة سيادية معترف بها، في رقعة جغرافية محددة على مجموعة بشرية معينة”، من هذا التعريف نكتشف ( (4ملامح رئيسية للدولة الحديثة المعاصرة: “كيان قانوني/ سلطة سيادية/ رقعة جغرافية محددة/ مجموعة بشرية معينة”. وهي عند (ماكس فايبر) التنظيم الذي يحتكر استخدام العنف المشروع في رقعة جغرافية معينة، والمقصود هو احتكار الدولة للسلاح، لهذا تعمل جماعة الإخوان على هدم الأركان المؤسسة للدولة الوطنية على النحو التالي:
أوّلاً: الحدود والرقعة الجغرافية المحددة: يرى الإخوان، كما عبّر عنهم محمد إلهامي، أنّ الحدود الجغرافية بين الدول، وهي أحد أهم أسس الدولة الوطنية الحديثة، ليست سوى صناعة استعمارية، ويتناسون أنّ فكرة الحدود كانت معروفة حتى في العصور القديمة، بل في التاريخ الإسلامي نفسه، فقد وُجد حراس للثغور والحدود، وكانت هناك مناطق نفوذ واضحة، وحتى في الجاهلية كانت لكل قبيلة حدود لمضاربها، لا يدخلها أحد إلا بعد الحصول على الأمان من زعيم القبيلة، وهو ما يشبه في عصرنا الحديث فكرة التأشيرة أو “عهد الأمان”.
ثانيًا: احتكار الدولة للسلاح: يرفض الإخوان على لسان إلهامي كذلك احتكار الدولة للسلاح، باعتبار أنّ ذلك ضد الإسلام، كأنّ المطلوب هو تسليح المجتمع وفتح الباب أمام تشكيلات موازية للدولة. والحقيقة أنّ هذا الطرح، مهما تغلّف بالشعارات الدينية، يقود عمليًا إلى الاحتراب الداخلي والفوضى، فمن أهم أسس الدولة الحديثة أن يكون السلاح والقوة تحت سلطة الدولة مثل الجيش والشرطة، ولا توجد تشكيلات موازية أو ميليشيات حزبية أو تنظيمات مسلحة مستقلة، لأنّ وجود أيّ تنظيم يمتلك قوة مستقلة يعني ببساطة وجود دولة داخل الدولة، ولهذا اصطدمت الدولة المصرية بجماعة الإخوان بسبب تكوينها “النظام الخاص” او التنظيم السرّي المسلح في الأربعينيات؛ فقد رأت الدولة أنّ وجود تنظيم سرّي مسلح ينازعها احتكار القوة يمثل تهديدًا مباشرًا لكيانها، وهنا تكمن الأزمة الحقيقية للجماعة؛ لأنّ وجود جيش قوي يعني ببساطة أنّ مشروع الفوضى لن ينجح، ولهذا كان الهجوم على الجيش بالنسبة إليهم مسألة وجود، وليس مجرد خلاف سياسي.
ثالثًا: التجنيد الإجباري ومحاولة إضعاف الجيش: يرفض الإخوان كذلك التجنيد الإجباري، ويستند بعض مُنظّريهم إلى أنّ الرسول ﷺ لم يفرضه بالشكل الحديث، بل كان يدعو الناس إلى القتال تطوعًا، ومن يتخلف، فعقابه عند الله، غير أنّ إسقاط هذا التصور على الدولة الحديثة يعني عمليًا هدم أحد أهم أسس الدولة المستقلة التي تحتاج إلى قوات مسلحة منظمة وقادرة على حماية الحدود والأمن القومي، والأخطر أنّ بعض خطابات الجماعة لا تكتفي برفض التجنيد، بل تدفع المجندين إلى التمرد والعصيان والتشكيك في قيادات الجيش، وهو ما يمثل محاولة مباشرة لإضعاف المؤسسة العسكرية من الداخل، وهذه الدعوات ليست مرتبطة بحقوق الإنسان كما يروّجون، وإنّما تأتي ضمن محاولة مستمرة لتقليل القدرة البشرية للجيش، وفصل المجتمع عن مؤسسته العسكرية، فالتجنيد في مصر ليس مجرد خدمة عسكرية، بل أحد أهم أدوات بناء العلاقة بين الشعب والجيش، فملايين المصريين مرّوا بهذه التجربة، ولذلك بقيت القوات المسلحة جزءًا من النسيج الوطني، لا كيانًا منفصلًا عن المجتمع، والجماعة تدرك خطورة هذه العلاقة، لأنّها تجعل محاولات التحريض ضد الجيش محدودة التأثير مهما ارتفع صوت المنصات المعادية.
رابعاً: الدستور باعتباره الكيان القانوني للدولة: لا تنظر جماعة الإخوان إلى الدستور باعتباره عقدًا جامعًا بين المواطنين، بقدر ما تنظر إليه باعتباره أداة استعمارية لنزع الأمّة عن دينها، فالإخوان يرون أنّ الدستور هو القرآن، في صيغة عاطفية شديدة التسطيح، فالدستور في الدولة الحديثة يمثل المرجعية العليا التي يخضع لها الجميع، حاكمًا ومحكومًا، ويضمن تداول السلطة، والفصل بين المؤسسات، وحماية الحقوق والحريات، ولا تعترف الجماعة بالدستور في ضميرها، وإن أبدت علنًا غير ذلك، ولهذا ظلّ خطاب الإخوان يحمل تناقضًا واضحًا تجاه فكرة الدستور؛ فهم يقبلونه حين يمنحهم مساحة للحركة والسيطرة، ثم يهاجمونه إذا أصبح عائقًا أمام مشروعهم التنظيمي، ولعل دستور الإخوان أثناء حكمهم دليل حي على محاولتهم تفجير الدستور من الداخل.
وتحمل الجماعة أفكارًا لا تقلّ خطرًا عن حمل السلاح؛ منها عدم الإيمان فعليًا بفكرة الدولة المدنية القائمة على التعددية وتوازن السلطات، لأنّها تعتبر أنّ المرجعية النهائية يجب أن تكون للتنظيم وفكر الجماعة، لا للمؤسسات الوطنية أو الإرادة الشعبية الحرة، كما أنّ كثيرًا من أدبيات الجماعة تنظر إلى الدساتير الحديثة باعتبارها منتجًا غربيًا، وتتعامل مع مفاهيم مثل: سيادة الشعب، وتداول السلطة، والفصل بين السلطات، والمواطنة المتساوية، بوصفها مفاهيم دخيلة، لذا فحماية الدولة الوطنية من عبث الإخوان يجب أن تكون من أولويات المجتمع لنحمي النشئ الجديد من أفكار الإخوان.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.