هل ينتظر البرهان أن يحترق كامل السودان ؟

تيسير المبارك

في الوقت الذي تتسع فيه رقعة القتال إلى مناطق جديدة، وتتوالى مؤشرات التوتر في شرق البلاد، يبدو المشهد السوداني وكأنه يسير بخطى متسارعة نحو مزيد من التفكك. فبينما تتصاعد الاشتباكات في منطقة الدبة شمال البلاد، خرج الناظر محمد الأمين تِرِك بإعلان غير مسبوق، رفع فيه سقف المواجهة مع حكومة بورتسودان، معلناً الانفصال الإداري عن ولاية كسلا وسحب الثقة من الوالي.
قد تبدو هذه الأحداث متفرقة للوهلة الأولى، لكنها في الحقيقة تعكس أزمة واحدة؛ أزمة دولة تتآكل سلطتها المركزية يوماً بعد آخر، فيما تنشغل القيادة العسكرية بإدارة الحرب، بينما تتسع رقعة الأزمات السياسية والقبلية والخدمية.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: لماذا أعلن تِرِك التصعيد؟ ولا لماذا اشتعلت الدبة؟ بل لماذا وصلت البلاد إلى مرحلة أصبح فيها كل طرف يبحث عن إدارة شؤونه بعيداً عن الدولة؟
لقد قدمت الحرب نفسها، منذ اندلاعها، باعتبارها وسيلة لحماية الدولة والحفاظ على وحدتها. لكن بعد أكثر من ثلاثة أعوام من القتال، تبدو النتيجة معاكسة تماماً. فالخريطة السودانية لم تعد تواجه انقساماً عسكرياً فحسب، بل أصبحت تشهد انقسامات سياسية وإدارية ومجتمعية تتسع مع مرور الوقت.
شرق السودان، الذي ظل يمثل أحد أهم مراكز الثقل السياسي لحكومة بورتسودان، لم يعد بمنأى عن الخلافات. إعلان تِرِك لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد خلاف مع والي ولاية، بل هو رسالة سياسية تحمل دلالات أعمق بشأن طبيعة العلاقة بين المركز وحلفائه، ومدى تآكل الثقة داخل المعسكر نفسه.
وفي الشمال، تكشف الأحداث في الدبة أن التوتر الأمني لم يعد محصوراً في جبهات الحرب التقليدية، بل أصبح يمتد إلى مناطق كانت تُعد أكثر استقراراً، بما يعكس هشاشة الوضع الأمني واتساع دائرة المخاطر.
المشكلة أن الحكومة تبدو وكأنها تتعامل مع كل أزمة باعتبارها ملفاً منفصلاً، بينما تشير الوقائع إلى وجود أزمة بنيوية واحدة، عنوانها غياب مشروع سياسي جامع، واعتماد إدارة الدولة على حلول أمنية مؤقتة لا تعالج جذور المشكلات.
كل يوم تتأخر فيه المعالجات السياسية، تزداد تكلفة الأزمة. وكل جبهة جديدة تفتح، سواء كانت عسكرية أو سياسية أو قبلية، تعني استنزافاً إضافياً لدولة أنهكتها الحرب والانهيار الاقتصادي والنزوح وتراجع الخدمات.
وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً: هل ينتظر الفريق أول عبد الفتاح البرهان أن يحترق كامل السودان قبل أن يقتنع بأن الحل العسكري وحده لا يكفي؟
لا يوجد بلد يستطيع أن يتحمل حرباً مفتوحة إلى ما لا نهاية، مع أزمات اقتصادية خانقة، وخدمات منهارة، وخلافات تتوسع حتى داخل القوى التي ساندت السلطة. فاستمرار هذا المسار يعني أن رقعة الاحتقان ستتجاوز خطوط القتال لتطال ما تبقى من مؤسسات الدولة.
وقد يرى مؤيدو البرهان أن الأولوية لا تزال لحسم المعركة عسكرياً، بينما يرى منتقدوه أن استمرار الحرب أسهم في تعقيد المشهد وإضعاف مؤسسات الدولة. وبين هذين الموقفين، يبقى الواقع أن السودان يواجه تحديات متزامنة تتطلب معالجات سياسية وأمنية واقتصادية في آن واحد.

إن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس فقط استمرار الحرب، وإنما تحول الأزمات المحلية إلى مؤشرات على تراجع الثقة في مؤسسات الحكم، واتساع الفجوة بين المركز والأقاليم، وهو ما يجعل استعادة الاستقرار أكثر تعقيداً مع مرور الوقت.

فالدول لا تنهار في لحظة واحدة، وإنما تتآكل تدريجياً عندما تصبح الأزمات المتفرقة مشهداً يومياً، ويغيب التوافق الوطني القادر على احتوائها.
ويبقى الأمل معقوداً على أن تتقدم الحلول السياسية والحوار الشامل على منطق التصعيد، لأن كلفة استمرار الانقسام والصراع لن يتحملها طرف واحد، بل سيدفع ثمنها السودان كله.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.