ما أشبه الليلة بالبارحة، فكل ما فعله البشير بالأمس عندما شعر بتحرّك الكرسي يفعله البرهان اليوم!
طيف أول:
وما بين خطوة وانفراجة، حالة ارتباك تفيض على كل شيء، حتى ترتخي أهداب آمالهم لعيون ربما لن ترى النور مجددًا.
وبالأمس تحدثنا عن الاجتماعات السرية التي جمعت الناظر ترك بالفريق عبد الفتاح البرهان، على أن يقدم كل واحد منهما للآخر طموحه المفقود ترك يبحث عن نفوذ اجتماعي قبلي، والبرهان يبحث عن نفوذ سياسي بدعم شعبي. وقبل أن يجفّ حبر الحروف جاءت الأخبار بأن ترك صعد على خشبة المسرح الذي تم إعداده له، وطالب بسحب الثقة من والي ولاية كسلا ووزير البنية التحتية، ملوّحًا بإنشاء ولاية منفصلة عن كسلا وعاصمتها “أروما” في حال عدم إقالة الوالي.
وشهدت مدينة كسلا صباح أمس انتشارًا أمنيًا كثيفًا أثار قلق المواطنين، وسط دعوات من أنصار الناظر ترك لإغلاق كوبري القاش والاعتصام أمام أمانة الحكومة.
وتأتي هذه التطورات على خلفية إصدار السلطات في كسلا أوامر قبض بحق قيادات أهلية وشبابية في قضايا تتعلق بالأراضي، وهو ما اعتبره الناظر ترك “تحديًا سافرًا ومباشرًا لنظارة الهدندوة”.
لكن ترك استخدم ذات القضايا سابقًا كذريعة سياسية في فترة الحكومة المدنية وبدأ بكسلا وواليها أيضا ورفع ذات الشعارات كقضايا “حقوق أهلية”، ثم تحولت إلى أداة سياسية لإغلاق الميناء وتعطيل الحكومة، والآن يصفها بأنها تحدٍّ سافر للنظارة، ويستخدمها لإعلان سحب الثقة من الوالي، ويذهب أبعد من ذلك بإعلان فصل مناطق وتعيين عاصمة جديدة.
لكن ما نجح فيه ترك بالأمس، هل سينجح فيه اليوم؟ بالطبع لا.
فبالأمس كان البرهان يريد إسقاط الحكومة المدنية، واليوم حكومته ساقطة بالرغم من أنه الحاكم.
وفي السابق كانت هناك حكومة مدنية فاعلة، بدليل أن البرهان والكيزان كانوا يبحثون عن أدوات لإضعافها، وكان ترك أحد هذه الأدوات. فأي تحرك قبلي كان وقتذاك يهزّ الحكومة ويخلق ضغطًا سياسيًا واقتصاديًا حقيقيًا.
فترك كان يعمل في ظل دولة قائمة، يؤثر عليها إغلاق الميناء ويخنقها اقتصاديًا، ويعطّل دولاب العمل، ويشلّ حركة التجارة، وينعكس ذلك على حياة المواطنين ويرفع الأسعار.
ولكن ما الذي سيحققه ترك اليوم في ظل دولة منهارة مخنوقة سياسيًا؟
ولا توجد حكومة مستقرة لتتأثر، ولا توجد شرعية ليعيد تشكيلها.
فالدولة الآن “جنازة بحر”، فالبرهان نفسه في وضع هش، وحكومته تواجه تحديات وجودية، ونفوذه متآكل، وسلطته محدودة.
وهذه الضوضاء إن دلت، فإنما تدل على دولة آيلة للسقوط النهائي.
وما أشبه الليلة بالبارحة؛ فما فعله نظام البشير بالأمس عندما شعر المخلوع بانهيار إمبراطوريته، يفعله البرهان اليوم.
فالبشير كانت تلاحقه الجنائية الدولية حتى لحظة سقوطه، واليوم يلاحق البرهان اتهام الكيماوي في لحظة تلاشي شرعيته.
فكلما فقدت السلطة شرعيتها السياسية وبدأت الاتهامات الدولية في الظهور بقوة، يلجأ القادة إلى خيارات احتماء داخلية ضعيفة.
فالبشير حين ضعفت شرعيته الدولية والمحلية لجأ إلى الإدارة الأهلية ليصنع لنفسه شرعية اجتماعية بديلة، فاحتمى بالإدارة الأهلية والصوفية، وصنع التحالفات القبلية، مستخدمًا الزعامات التقليدية.
والبرهان اليوم، بعد أن تآكلت شرعيته السياسية والعسكرية، يفعل الشيء نفسه باستدعاء الإدارات الأهلية كدرع داخلي.
وأيضًا عندما شعر البشير بأن الكرسي يتحرك، أطلق مشروع “الحوار الوطني” ليظهر بمظهر القائد الجامع، وكانت تلك محاولة لإعادة إنتاج شرعية اجتماعية بعدما سقطت الشرعية السياسية.
والبرهان اليوم كرّر نفس الأسلوب ودعا إلى الحوار “السوداني–سوداني”، ويستند الآن إلى الإدارات الأهلية والزعامات القبلية ليصنع غطاءً اجتماعيًا بديلًا.
إلا أن أخطر تشابه في عملية نهايات الأنظمة في السودان هو أن أمريكا عندما أرادت ملاحقة البشير جنائيًا وبدأت في كتابة نهاية حكمه، استدعت مدير جهاز الأمن والمخابرات في عهده الفريق صلاح عبد الله قوش، أكثر الفاعلين في جرائم البشير، باعتباره مدير أخطر دائرة تمسك بالخيوط والملفات الأمنية.
والآن عندما أرادت كتابة نهاية حكم البرهان، استدعت مدير جهاز المخابرات الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل.
فعندما تستدعي أمريكا مديري جهاز الأمن، فالقضية ليست حوارًا سياسيًا، بل إشارة دولية بأن نهاية الحكام تبدأ بمواجهتهم بجرائمهم.
إذن ماذا تبقّى من الدولة حتى يهددها ترك؟
سوى سلطة معلّقة في الفراغ، وجيوب نفوذ، وتحالفات قبلية وأمنية متكسّرة.
لذلك فإن اتحاد ترك والبرهان ليس علامة قوة، بل أكبر علامات الضعف؛ لأنه يسعى لتوسيع دائرة الصراع والفتنة بين القبائل بزيادة الحطب لنيران الحرب، لكنه لن يحقق مكاسب سياسية.
فحين تنهار الدولة، ويتقلّص طموح السلطة، وتحاصر دوليًا، ويتحوّل الصراع من مستوى الوطن إلى مستوى ولاية واحدة
فهذا يعني أن المشروع السياسي للبرهان أصابه الضمور، وانكمش حتى صار مجرد صراع نفوذ محلي، تخومه فقط بين بورتسودان وكسلا.
طيف أخير:
#لا_للحرب
شهود عيان لـ”الشرق”: مسيّرات استراتيجية استهدفت محطة تحويلية للكهرباء في “الدبة”.
هل تريد قوات الدعم السريع أن تقول كلمة جديدة في ميدان الحرب أم أن سباق المسيّرات يتجدد؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.