في السياسة، لا يكون الصمت دائماً علامة رضا، كما أنه ليس بالضرورة دليلاً على الضعف. وفي لحظات التحولات الكبرى، قد يصبح الصمت أكثر الرسائل وضوحاً، لأنه يمنح الأطراف مساحة لإعادة الحسابات قبل اتخاذ القرار.
هذا ما ينطبق، إلى حد كبير، على موقف القوات المشتركة للحركات المسلحة تجاه التحولات الأخيرة داخل حكومة بورتسودان، والقرارات التي اتخذها الفريق أول عبد الفتاح البرهان لإعادة ترتيب مراكز النفوذ داخل السلطة.
فعلى الرغم من أن هذه التغييرات مست بصورة مباشرة توازنات الحكم، وأعادت رسم خريطة النفوذ داخل مؤسسات الدولة، فإن القوات المشتركة لم تصدر حتى الآن موقفاً حاداً أو إعلاناً صريحاً يؤيد أو يرفض تلك الإجراءات، الأمر الذي فتح الباب أمام قراءات متعددة بشأن أسباب هذا الصمت وما يخفيه من حسابات.
منذ اندلاع الحرب، تحولت القوات المشتركة من قوة وقعت اتفاق سلام إلى لاعب عسكري رئيسي، يملك حضوراً مؤثراً في عدد من الجبهات، وأصبح شريكاً أساسياً في المعادلة الأمنية داخل مناطق سيطرة الجيش. لكن هذا الدور العسكري خلق، في الوقت نفسه، استحقاقات سياسية لم يعد من السهل تجاوزها.
فالحركات المسلحة لم تدخل الحرب باعتبارها قوات مساندة فقط، بل باعتبارها شريكاً يتوقع أن يكون جزءاً من ترتيبات السلطة بعد انتهاء القتال، وهو ما يجعل أي محاولة لإعادة احتكار القرار أو تقليص نفوذها قضية تمس مستقبلها السياسي، وليس فقط وجودها العسكري.
التحولات الأخيرة داخل حكومة بورتسودان، وما رافقها من حديث عن إعادة ترتيب المشهد التنفيذي والأمني، أثارت تساؤلات حول موقع القوات المشتركة في المرحلة المقبلة. فهل يجري إعداد المشهد لإعادة تركيز السلطة في يد المؤسسة العسكرية؟ أم أن الأمر لا يتجاوز تعديلات إدارية فرضتها طبيعة المرحلة؟
لا توجد حتى الآن إجابة قاطعة، لكن المؤكد أن الحركات المسلحة تراقب التطورات بعناية، وتدرك أن أي تغيير في موازين القوى داخل السلطة ستكون له انعكاسات مباشرة على موقعها ومستقبل اتفاق جوبا للسلام.
اللافت أن القوات المشتركة اختارت حتى الآن عدم الانجرار إلى سجالات إعلامية أو مواقف انفعالية، وهو ما يمكن تفسيره بأكثر من زاوية. فقد يكون الصمت محاولة لإفساح المجال أمام الاتصالات السياسية بعيداً عن الأضواء، وقد يكون أيضاً تعبيراً عن رغبة في تجنب صدام مبكر مع قيادة الجيش، في وقت لا تزال فيه الحرب مستمرة.
لكن هذا الصمت لن يستمر إلى ما لا نهاية.
فمع اقتراب أي ترتيبات سياسية جديدة، ستجد القوات المشتركة نفسها أمام استحقاق واضح: هل تقبل بتراجع دورها داخل مؤسسات الحكم، أم تتمسك بالشراكة التي ترى أنها استحقتها عبر اتفاق جوبا ومشاركتها العسكرية خلال الحرب؟
من الصعب تصور أن تقبل الحركات المسلحة بالخروج الطوعي من معادلة السلطة إذا شعرت بأن ذلك يتم من دون توافق سياسي أو ضمانات واضحة. فهي تنظر إلى وجودها في مؤسسات الدولة باعتباره جزءاً من اتفاقات سياسية قائمة، وليس منحة مؤقتة يمكن سحبها بقرار أحادي.
وفي المقابل، قد ترى قيادة الجيش أن إعادة هيكلة مؤسسات الدولة أو تقليص عدد الشركاء التنفيذيين خطوة ضرورية لإحكام إدارة المرحلة، وهو ما قد يفتح باباً لتباين في الرؤى حول شكل السلطة خلال الفترة المقبلة.
المشهد الحالي يكشف أن العلاقة بين الجيش والقوات المشتركة دخلت مرحلة أكثر حساسية. فالتحالف العسكري الذي فرضته ظروف الحرب قد يواجه اختبارات سياسية مع اقتراب الحديث عن اليوم التالي للقتال، حيث تبدأ الأسئلة المتعلقة بتوزيع السلطة والنفوذ، وهي عادةً أكثر تعقيداً من إدارة المعارك نفسها.
ورغم ذلك، لا ينبغي القفز إلى استنتاجات حاسمة بشأن وجود قطيعة أو مواجهة وشيكة. فما زالت قنوات التواصل بين الأطراف قائمة، وما زالت الحرب تفرض على الجميع قدراً من التنسيق العسكري. لكن المؤكد أيضاً أن استمرار الغموض بشأن مستقبل الشراكة لن يكون في صالح أي طرف.السؤال الحقيقي لم يعد: لماذا تصمت القوات المشتركة؟ بل: ماذا ستفعل إذا وجدت أن معادلة السلطة تُعاد صياغتها من دونها؟
الإجابة عن هذا السؤال ستحدد، إلى حد كبير، شكل التحالفات السياسية والعسكرية في المرحلة المقبلة، وربما ترسم ملامح السودان بعد الحرب، سواء استمر الشركاء في إدارة خلافاتهم عبر الحوار، أو انتقلت المنافسة من ميادين السياسة إلى ساحات أكثر تعقيداً.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.