أزمة المعلم السوداني .. إنهيار ركن أساسي من أركان الدولة

بقلم: د. ياسر حسن مضوي - تربوي وباحث

بصفتي تربوياً عايشت أزمة التعليم عن قرب وبصفتي ابن هذه المهنة التي كادت أن تندثر .. أكتب هذا المقال ليس دفاعاً عن فئة بل دفاعاً عن مستقبل وطن وهذا المقال يعبر عن رأيي الشخصي.

إن نهضة الأمم ترتكز في جوهرها على التعليم والتعليم لا يستقيم إلا بمعلم مكرّم ومقدّر فالمعلم هو مهندس الوعي وحارس الهوية الوطنية وصانع أجيال المستقبل فهو ليس موظفاً عادياً ومن ثم فإن الدول التي آمنت بمستقبلها جعلت من تمكين المعلم وتأهيله وتحسين أوضاعه أولوية استراتيجية لا تقبل المساومة أو التأجيل.

في سودان الستينات والسبعينات كان المعلم رمزاً للهيبة والاحترام يقوم له الناس وتفتح له الدواوين وكان راتبه يكفيه وأسرته ليعيش حياة كريمة فتفرَّغ لرسالته وأبدع حتى أصبح في ذلك الزمن مهوى أفئدة الحسان ومحور أغانيهن فمن أشهر الأغاني عصرئذ:
“يا ماشي لي باريس
جيب لي معاك عريس
شرطاً يكون لِبِّيس
من هيئة التدريس”

لكن هذا الوضع بدأ في التراجع منذ ثمانينات القرن الماضي وتسارع خلال فترة حكم الإنقاذ التي شهدت إعادة هيكلة معاهد إعداد المعلمين وتسربُ الكفاءات بسبب تدني الأجور.
ثم جاءت حرب 15 أبريل 2023 لتضاعف الأزمة توقفت الدراسة وتوقفت المرتبات وتدمرت البنية التحتية للمدارس.
وبحسب تقرير اليونسكو 2024 فقَدَ السودان أكثر من 40% من معلميه الأساسيين بسبب الهجرة وترك المهنة خلال عامين من الحرب فقط.
فكان الخيار أمام كثير من المعلمين هو الهجرة أو ترك المهنة والبحث عن عمل بديل.

بحسب الهيكل الراتبي لوزارة المالية للعام 2025 يبلغ راتب المعلم في بداية السلم 76 ألف جنيه ويصل إلى 220 ألف جنيه في نهايته.
هذه المبالغ لا تغطي الحد الأدنى لتكاليف المعيشة لأسرة واحدة صغيرة في ظل الارتفاع الكبير في أسعار السكن والعلاج والغذاء والمواصلات.

وتتفاقم هذه المعاناة في ظل غياب التمثيل النقابي الفاعل فالنقابات التي أنشئت أصلاً للدفاع عن حقوق المعلمين ورعاية مصالحهم شهدت خلال العقود الماضية تحولاً جعلها أقرب إلى أجهزة تابعة للسلطة التنفيذية تدار بواسطة كوادر حزبية مقربة وقد أدى ذلك إلى إضعاف الدور المنوط بها وترك المعلمين دون سند مؤسسي حقيقي يدافع عن حقوقهم ويتبنى قضاياهم.

وفي المقابل هناك قطاعات أخرى في الدولة تصل مرتبات صاحب أقل درجة فيها إلى مبالغ تفوق راتب معلم في أعلى درجة.
هذه الفجوة ترسل رسالة سلبية مباشرة عن تقدير الدولة لمن يفترض أن يكون في مقدمة الأولويات.

هناك مؤشرات وسياسات فعلية تتجه نحو تقليص دور الدولة في التعليم مثل “ترشيد الإنفاق الحكومي على التعليم” والتوسع المستمر في التعليم الخاص والأهلي مما يثير الخوف من أن هناك إتجاه حكومي لخصخصة التعليم. هذا التوجه يطرح تساؤلات جدية حول مدى التزام الدولة بدستورها في توفير تعليم مجاني ومتاح للجميع ويخالف صريح المادة 44 من الوثيقة الدستورية لسنة 2019 التي تنص على أن “التعليم الأساسي حق للجميع تلتزم الدولة بمجانيته وإلزاميته”.

النتيجة المباشرة لهذا التوجه ستكون تحويل التعليم إلى سلعة ومن لا يملك القدرة على الدفع سيُحرم من حقه في التعلم.
وهذا يمثل تراجعاً خطيراً عن مبدأ تكافؤ الفرص ويؤسس لأزمة اجتماعية طويلة المدى.

في هذا السياق جاءت مبادرة المجالس التربوية في ولاية كسلا في يونيو 2026 للمساهمة في دعم مرتبات المعلمين المضربين.
هي مبادرة تستحق التقدير لأنها تعبر عن تضامن المجتمع.
ولكنها في الوقت نفسه مؤشر خطير فهي تعني أن الدولة اختارت التخلي عن دورها وتركت معالجة الأزمة لجهود أهلية فالمعلمون لم يضرِبوا رفاهية ولكنهم أضربوا بسبب تدني الرواتب وتأخر صرف المستحقات لشهور وسنوات.
فإذا كان الحل اليوم تبرعات فما هو الضامن لاستمرار العملية التعليمية غداً؟

أي حديث عن إعادة الإعمار والنهوض بعد الحرب يجب أن يبدأ بملف التعليم وإن أولى خطوات النهوض تبدأ باسترداد مكانة المعلم وهيبته وذلك عبر توفير راتب لا يقل عن 900 ألف جنيه يصون كرامته ويكفي حاجته وبيئة مدرسية آمنة ومؤهلة تمكنه من أداء رسالته ومكانة اجتماعية وقانونية تعيد إليه الاحترام الذي فقده وتضعه في الموضع اللائق به في مقدمة اهتمامات الدولة.

إهمال المعلم يعني خسارة مشروع الدولة نفسه لأن الدولة التي لا تحترم معلمها لا يمكن أن تبني مستقبلاً.
yasirhsn5@gmail.com

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.