في واحدة من أكثر اللحظات مأساوية في تاريخ السودان الحديث، لم يعد السؤال الحقيقي من يربح المعارك على الأرض، بل من يدفع الثمن الأكبر لهذه الحرب. والإجابة باتت واضحة في وجوه ملايين السودانيين الذين فقدوا منازلهم وأمنهم وأحبّتهم، بينما تستمر المعارك بلا أفق واضح لنهاية قريبة.
التصريحات الأخيرة لقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي”، والتي أكد فيها أن وقف الحرب يمثل المدخل الحقيقي للأمن والاستقرار، أعادت إلى الواجهة النقاش حول مستقبل الصراع السوداني، وحول طبيعة الخطاب السياسي والعسكري الذي يحكم البلاد منذ اندلاع الحرب.
وبغض النظر عن المواقف السياسية المتباينة تجاه أطراف النزاع، فإن الحديث عن ضرورة وقف الحرب يلامس اليوم تطلعات قطاع واسع من السودانيين الذين أنهكتهم المأساة الإنسانية والانهيار الاقتصادي والدمار الواسع الذي طال المدن والبنى التحتية ومؤسسات الدولة.
في المقابل، يرى كثيرون أن الخطاب الصادر من قيادة الجيش بقيادة عبدالفتاح البرهان ظل يميل بصورة أكبر إلى منطق الحسم العسكري، مع استمرار الرهان على المعركة باعتبارها الطريق لإنهاء الأزمة، رغم اتساع رقعة الدمار وارتفاع أعداد الضحايا المدنيين بصورة غير مسبوقة.
وهنا يكمن جوهر المفارقة في المشهد السوداني؛ بين خطاب يتحدث عن وقف الحرب باعتباره مدخلاً للاستقرار، وخطاب آخر لا يزال يربط مستقبل البلاد باستمرار المواجهة العسكرية، حتى مع تزايد المؤشرات على أن الحرب تحولت إلى استنزاف شامل للدولة والمجتمع معاً.
لقد أثبتت التجارب في السودان وفي دول أخرى أن الحروب الأهلية الطويلة لا تترك منتصرين حقيقيين. فالمدن المدمرة، والملايين الذين يعيشون في النزوح واللجوء، والأطفال الذين حُرموا من التعليم، والأسر التي فقدت مصادر رزقها، كلهم يدفعون الثمن الأكبر بينما تستمر النخب السياسية والعسكرية في صراعاتها على السلطة والنفوذ.
المشكلة في السودان اليوم لم تعد مجرد صراع عسكري بين طرفين، بل أزمة وطن بأكمله. وكل يوم تستمر فيه الحرب يعني مزيداً من الانهيار الاقتصادي، واتساع المجاعة، وتفكك مؤسسات الدولة، وتراجع فرص بناء سلام مستدام في المستقبل.
كما أن الإصرار على الحل العسكري يتجاهل حقيقة مهمة، وهي أن السودان بلد شديد التعقيد من الناحية الاجتماعية والسياسية والجهوية، ولا يمكن إخضاعه بالقوة وحدها أو فرض الاستقرار عبر البنادق. فالحلول العسكرية قد تمنح مكاسب مؤقتة، لكنها لا تبني دولة مستقرة ولا تؤسس لسلام دائم.
وفي المقابل، فإن أي دعوة لوقف الحرب يجب أن تقترن أيضاً برؤية واضحة لمعالجة جذور الأزمة، بما يشمل العدالة، وإعادة بناء الدولة، وضمان عدم تكرار الانتهاكات، وفتح الطريق أمام عملية سياسية شاملة يشارك فيها السودانيون دون إقصاء.
السودانيون اليوم لا يحتاجون إلى المزيد من خطابات التعبئة والتحريض، بل إلى خطاب يعترف بمعاناة الناس ويضع حياة المدنيين فوق الحسابات العسكرية والسياسية. فالأم التي فقدت أبناءها، والطفل الذي ينام جائعاً في معسكرات النزوح، والمريض الذي لا يجد دواء، لا تعنيه خرائط السيطرة العسكرية بقدر ما يعنيه أن تتوقف الحرب ويعود الأمان إلى حياته.
إن المعيار الحقيقي لأي قيادة في هذه المرحلة يجب أن يكون قدرتها على حماية الشعب لا إدارة المعارك فقط. فالتاريخ لا يتذكر من أطالوا الحروب، بل من امتلكوا الشجاعة لإيقافها وإنقاذ أوطانهم من الانهيار.
ويبقى الأمل قائماً في أن يدرك جميع الأطراف أن السودان لم يعد يحتمل مزيداً من الدماء، وأن الطريق إلى الأمن والاستقرار يبدأ أولاً بوقف الحرب، والإنصات لصوت المدنيين الذين ظلوا، منذ بداية هذه المأساة، الخاسر الأكبر في صراع لا يبدو أن نهايته قريبة.
Next Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.