في البلدان المثقلة بالحروب، حتى حين لا تنتهي الحرب تمامًا، تصبح الصورة جزءًا من المعركة النفسية. يحتاج الناس أحيانًا إلى أن يروا القائد العام للجيش ورئيس مجلس السيادة بين المواطنين، يمشي في الأسواق، يشرب القهوة من يد شاب بدأ مشروعه الصغير، لا من باب الترف السياسي، بل لبث رسالة تقول: ما زالت الحياة تقاوم، وما زال البلد يحاول الوقوف على قدميه.
ولذلك، لا يمكن إنكار أن الجولات شبه اليومية على محلات العصائر والقهوة التي يديرها الشباب تحمل رسالة رمزية مفهومة؛ تشجيعًا للمشروعات الصغيرة، ومحاولة لإعادة الثقة، وإشاعة إحساس بأن الأمن بدأ يستعيد بعض أنفاسه، وأن المجتمع لا يزال قادرًا على إنتاج لحظات طبيعية وسط الركام.
لكن السؤال الذي ينهض من قلب الشارع السوداني، سؤال مشروع لا ينبغي التعامل معه بوصفه تذمرًا أو مزايدة سياسية:
هل تكفي الصورة؟
أم أن شعبًا أنهكته الحرب، واستنزفته الأسعار، وابتلع الخوف مدخراته وأحلامه، يريد أن يرى شيئًا آخر أكثر إلحاحًا من مشهد العصير والقهوة؟
فالدول لا تُدار بالرمزية وحدها، مهما حسنت النوايا.
الناس لا تبحث فقط عن الطمأنينة النفسية، بل عن الطمأنينة المؤسسية؛ أن يروا الوزراء في مكاتبهم، والمؤسسات تستيقظ من سباتها، وخططًا واضحة تُعرض للرأي العام، وجداول زمنية لما بعد الحرب، ومحاسبة حقيقية للفشل، وإدارة أزمة تعرف إلى أين تمضي.
في لحظة الانهيار الوطني، لا يصبح قائد المرحلة مجرد رمز للأمل، بل يتحول ـ بحكم موقعه ومسؤوليته ـ إلى قائد غرفة عمليات وطنية كبرى.
وربما هنا يكمن جوهر التساؤل الشعبي: أما كان أولى أن تتحول هذه الجولات ـ ولو لبعض الوقت ـ إلى زيارات ميدانية للوزارات والمؤسسات المنهكة؟ إلى اجتماعات اقتصادية مغلقة تُفتح نتائجها للرأي العام؟ إلى اعتكاف حقيقي لإنتاج خطة إسعافية تُخرج البلاد من حفرة الانهيار؟
فالبلد اليوم لا تعاني أزمة واحدة
هناك اقتصاد يترنح، وعملة فقدت كثيرًا من معناها، وخدمات عامة تُدار بالحد الأدنى من الحياة، واستثمارات هربت، وتعليم وصحة ينتظران من يعيد لهما الحد الأدنى من الكرامة.
ولا أحد يطلب معجزة.
لكن الناس تريد أن ترى بوصلة.
تريد أن تعرف: إلى أين نحن ذاهبون؟
ما هي الأولويات؟
ما هي خطة الخروج من هذا الركام؟
كيف ستُعاد عجلة الإنتاج؟
كيف ستُستنهض الزراعة التي كانت يومًا عمود ظهر السودان؟ وكيف ستُحمى الأسواق من الفوضى؟ وكيف ستُدار عودة الناس إلى مدنهم وقراهم بما يحفظ كرامتهم؟
ثمة خطأ يتكرر كثيرًا في دول الأزمات: الاعتقاد بأن الناس إذا رأت الحياة تتحرك قليلًا فسوف تنسى حجم الكارثة.
لكن الشعوب المثقلة بالحرب، أو التي تعيش آثارها المباشرة، تصبح حاستها السياسية أكثر حدة، لا أقل.
هي قد تبتسم لمشهد القائد العام ورئيس مجلس السيادة وهو يجلس بين الشباب، يشرب القهوة، ويمازح أصحاب المحلات الصغيرة، لكنها في داخلها تطرح سؤالًا صامتًا:
هل هذه عودة الدولة… أم مجرد محاكاة لعودتها؟
فهناك فرق كبير بين أن يعود الإيقاع الاجتماعي، وبين أن تعود الدولة نفسها.
قد تمتلئ المقاهي، وتُفتح الأسواق، وتزدحم الطرقات، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن البلد تعافت. أحيانًا يكون المجتمع أكثر قدرة على النجاة من مؤسساته؛ الناس تتكيف، تبتكر، تصنع حياة مؤقتة فوق أنقاض الخوف، بينما الدولة ما تزال تبحث عن نفسها.
ولذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث في لحظات الأزمات الوطنية هو استبدال السياسة العامة بالعلاقات العامة.
أن تصبح الصورة مشروعًا.
والكاميرا خطةً.
والظهور الميداني بديلًا عن الإدارة الميدانية.
ليس لأن الصورة بلا قيمة، بل لأن قيمتها تنتهي عندما تتحول إلى بديل عن الفعل.
وفي أيام عيد الأضحى المبارك، ربما يصبح السؤال أكثر إلحاحًا ووجعًا.
فالعيد في وجدان السودانيين ليس مناسبة عابرة؛ إنه لحظة اجتماع، وطمأنينة، وبيت مفتوح، ورائحة قهوة، وضحكات أطفال، وأهلٌ يتفقد بعضهم بعضًا.
لكن كم من بيت هذا العيد ينقصه أب؟ وكم من أم تخفي دمعتها كي لا تفسد فرحة الصغار؟ وكم من أسرة صارت تحسب ثمن الأضحية كما لو كانت تحسب المسافة بينها وبين الأمل؟
وفي مثل هذه الأيام، لا يبحث الناس فقط عن خطابات التهنئة، بل عن إشارات تطمئنهم أن البلد، رغم الجراح، تسير نحو شيءٍ أفضل.
ولهذا، فإن أجمل معايدة يمكن أن تُقدَّم للشعب ليست الكلمات وحدها، بل الأفعال.
أن يشعر المواطن أن هناك دولة تفكر في غده، لا في يومه فقط.
أن يرى مشروعًا حقيقيًا لاستعادة الحياة، لا مجرد مشاهد تقول إن الحياة عادت.
ولعل البداية الممكنة لا تحتاج إلى معجزات، بقدر ما تحتاج إلى وضوح إرادة وترتيب أولويات. فالدولة التي تعيش أتون الحرب لا ينبغي أن تنشغل بإدارة الانطباع أكثر من انشغالها بإدارة الواقع.
ثمة خطوات تبدو بديهية لكنها شديدة الإلحاح: تشكيل غرفة طوارئ اقتصادية تضم أهل الاختصاص لا أهل الولاء، إعلان خطة إسعافية شفافة بمراحل زمنية واضحة، إعادة الاعتبار للزراعة والإنتاج باعتبارهما أقصر الطرق إلى التعافي، فرض رقابة صارمة على الأسواق والأسعار، وفتح حوار اقتصادي حقيقي مع الكفاءات السودانية في الداخل والخارج.
فالناس لا تريد وعودًا كبيرة بقدر ما تريد إشارات جادة.
أن ترى مؤسسة تعمل.
قرارًا يُنفذ.
ومسؤولًا يُحاسب.
وأن تشعر، ولو للمرة الأولى منذ زمن طويل، أن الدولة تفكر بعقل الأزمة لا بعقل المشهد.
ومع ذلك، يبقى العيد مساحة لا ينبغي أن تُغلقها المآسي.
فإلى شعب السودان الصابر، الذي تعلّم كيف يزرع الأمل في أصعب المواسم: عيد أضحى مبارك، نسأل الله أن يجعل أيامه بردًا وسلامًا على القلوب المثقلة، وأن يكتب لهذا الوطن مخرجًا من ضيق الحرب إلى سعة العافية، ومن خوف الانتظار إلى طمأنينة البناء، وأن يعود العيد القادم وقد صار الفرح أقل خجلًا، والوطن أكثر قدرة على تضميد جراحه.
فالسودانيون ليسوا ضد الفرح الصغير.
بل ربما هم أكثر الشعوب احتياجًا إليه بعد كل هذا الرماد.
دع الناس تشرب القهوة، وافتح محلات العصير، واترك الحياة تستعيد بعض نبضها…
لكن لا تجعل الوطن كله يقف متفرجًا على مشهد الطمأنينة، بينما ينتظر من يصنع أسبابها.
فالبلد في لحظته الحرجة لا يحتاج فقط إلى قيادة تطمئن الناس بأن الدولة ما تزال موجودة…
بل إلى دولة تُطمئن الناس بأنها تعمل.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.