بينما تمر ذكرى السادس من أبريل، التاريخ الذي حفر مجراه في وجدان السودانيين كأعظم تجلٍّ للإرادة الشعبية، تبرز من جديد لغة “المغازلة” السياسية التي يطلقها قائد الجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، تجاه القوى المدنية والمناضلين. ولكن، خلف هذه اللغة الدبلوماسية والوعود بالتحول الديمقراطي، تقبع مفارقة تاريخية جعلت من مقر “القيادة العامة” رمزاً مزدوجاً يختصر مأساة الانتقال في السودان.
الأسوار التي شهدت “الميلاد” و”المجزرة”
لم تكن أسوار القيادة العامة مجرد تحصينات عسكرية في أبريل 2019، بل تحولت إلى “محراب” سياسي لجأ إليه الملايين طلباً للحماية من بطش النظام الشمولي. هناك، اعتصم السودانيون بآمالهم، معتبرين الجيش شريكاً في التغيير.
إلا أن هذه الرمزية تعرضت لزلزال عنيف؛ فذات المؤسسة التي فُتحت أبوابها لاستقبال الثوار، هي التي اتُّهمت لاحقاً بنصب “المصيدة” لهم. ويرى مراقبون أن مفارقة الخطاب الحالي تكمن في أن البرهان يتحدث عن “الحكم المدني” من أمام ذات الأبواب التي شهدت، في يونيو 2019، واحدة من أبشع المجازر في تاريخ السودان الحديث (فض الاعتصام)، والتي تمت تحت سمع وبصر اللجنة الأمنية التي كان يرأسها.
خطاب “المغازلة”: مناورة أم رؤية؟
تأتي تصريحات البرهان المتكررة حول الزهد في السلطة والرغبة في تسليمها للمدنيين في توقيتات ذات دلالة ثورية، مثل ذكريات أبريل. ويحلل خبراء سياسيون هذا السلوك عبر مستويين:
داخلياً: محاولة لشق صف الكتلة المدنية واستقطاب العناصر التي تبحث عن “استقرار هش” بعيداً عن المواجهة المباشرة.
خارجياً: تقديم صورة “الجنرال الديمقراطي” أمام المجتمع الدولي لتخفيف الضغوط والعزلة التي فرضت عقب قرارات 25 أكتوبر.
لكن “المناضلين” في الشارع يرون في هذه المغازلة نوعاً من “الهروب إلى الأمام”، حيث تفتقر الوعود إلى ضمانات حقيقية أو خطوات إجرائية تنهي هيمنة العسكر على مفاصل الدولة والاقتصاد.
المفارقة: ممانعة التطبيق خلف ستار الشعارات
تكمن العقدة الأساسية في أن الجهة التي “تغازل” المدنيين بشعارات الحرية والسلام والعدالة، هي ذاتها الجهة التي عطلت الوثيقة الدستورية، وأوقفت عمل لجنة تفكيك النظام السابق، وضاعفت من وطأة القمع في التظاهرات اللاحقة.
”إنها متلازمة الحكم العسكري في السودان، حيث يُستخدم خطاب الثورة لقتل الثورة” – يقول أحد الناشطين السياسيين.
فالمفارقة ليست في الكلمات، بل في “الفجوة السيادية”؛ حيث يُطالب المدنيون بالحكم من جهة، بينما تظل “مفاتيح السلطة” الفعلية محصورة داخل أسوار القيادة التي ترفض التحول لمؤسسة خاضعة للرقابة المدنية.
الذاكرة الجماعية.. العقبة الكؤود
في ذكرى 6 أبريل، يجد البرهان نفسه في مواجهة جيل لا يقرأ الخطابات، بل يقرأ “الجداريات” وندوب الرصاص. إن محاولة تصوير القيادة العامة كـ “ملاذ” آمن مرة أخرى تصطدم بحقيقة أنها تحولت في ذهنية الكثيرين إلى “مصيدة” سياسية وعسكرية أجهضت أحلام الانتقال.
يبقى السؤال المعلق فوق أسوار القيادة العامة: هل يمكن لخطاب “المغازلة” أن يرمم جدار الثقة المهدم؟ الوقع الميداني يشير إلى أن المدنيين والمناضلين باتوا يدركون أن الطريق إلى “الحكم المدني” لا يمر عبر استجداء العسكر، بل عبر إنهاء الحقبة التي تكون فيها “القيادة العامة” هي الملاذ والمصيدة في آن واحد.
ستظل ذكرى 6 أبريل تذكيراً بأن الوعود التي تُطلق من وراء الثكنات تظل “أسيرة” لحين تحويلها إلى أفعال تخرج بالجيش إلى مهامه الفنية، وتعيد الدولة إلى أصحابها المدنيين.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.