بحري.. مدينة الأشباح تكذّب وعود العودة

تقرير: عين الحقيقة

تُعدّ مدينة بحري، الضلع الثالث للعاصمة الخرطوم، مدينةً ترزح تحت وطأة عزلة خانقة وسكون مريب يقطع أنفاس ما تبقى من معالم الحياة فيها. فقد تحولت «سر الهوى»، التي كانت تنبض بالحياة والنشاط التجاري، إلى ما يشبه «مدينة أشباح»، تسكن أزقتها الزواحف وتستبيح بيوتها الثعابين والعقارب.

وفي ظل هذا المشهد القاتم، تفرض جيوش البعوض احتلالاً كاملاً بطلعات جوية نهارية غير مسبوقة، مستغلة الغياب التام للمحلية وفشلها في توفير معينات الرش أو التصدي للتدهور البيئي المريع، ما أدى إلى قفزات مخيفة في معدلات الإصابة بالملاريا وحمى الضنك، إلى جانب ظهور أمراض ارتبطت تاريخياً بانهيار النظم الصحية، مثل الإسهالات والنزلات المعوية، وسط غياب محيّر لسلطة الأمر الواقع التي تبدو وكأنها تغض الطرف عن أبسط مقومات البقاء في هذه البيئة المسمومة.

وفي جولة ميدانية كشفت المستور، أكد الصحفي محمد أمين أن خلو الشوارع من المارة والمظاهر الحيوية كفيل بفضح زيف «بروباغندا» الفيديوهات المضللة التي تحث المواطنين على العودة. وأوضح أن تلك المقاطع تتعمد استغلال نقاط تجمع عابرة ومحدودة عند بعض المواقف أو الارتكازات لإيهام الرأي العام بوجود حالة من الاستقرار، واصفاً مروجي هذه المعلومات بـ”الرويبضة” الذين يسعون للكسب الرخيص عبر أجندات مضللة لا تشبه إرث إنسان المدينة وتاريخها.

ويضيف أن هذا الواقع يلمسه بوضوح أي زائر محايد، حيث استحالت أكبر شوارع المدينة إلى برك من مياه الكسورات المنسابة في الطرقات بدلاً من المواسير، التي بات “شخيرها” الصوت الوحيد عند فتح الصنابير، لتكتمل فصول المأساة بانضمام التيار الكهربائي إلى قائمة «المستحيلات الثلاثة» الغول والعنقاء والخل الوفي.

وعلى صعيد الآراء الميدانية، يعبر المواطن “عثمان حسن” عن خيبة أمل العائدين بقوله: “استدرجتنا الوعود الزائفة لنكتشف أن الثعابين سبقتنا إلى غرف نومنا، والآن لا خيار أمامنا سوى العودة مجدداً إلى مناطق النزوح في الولايات، فالنزوح رغم قسوته أرحم من هذا الموت البطيء”.

وتؤكد السيدة “ست الجيل محمد” ذات المعاناة بقولها: “البعوض يفتك بالأطفال، والحكومة غائبة تماماً. لقد كانت وعود العودة مجرد فخ لاستدراجنا إلى بيئة مسمومة تفتقر لأدنى الخدمات”.

في حين يرى الشاب “الصحفي أحمد أمين” أن “الإغلاق الحزين” لكافتيريا “اعتماد بروست”، بعد أيام فقط من محاولة تشغيلها، نتيجة انعدام القوة الشرائية وخلو منطقة “البوستة” من المارة، يمثل الرد العملي والصاعق على كل من يروج لعودة الحياة إلى المدينة.

وتأتي الصور الميدانية التي وثقها الصحفي محمد أمين لأحياء “الدناقلة” و”ديوم بحري”، وهي خالية تماماً من المارة، لتضع حداً للجدل القائم. وتشير الإحصاءات غير الرسمية والواقع المعاش إلى أن كثيراً من العائدين حزموا أمتعتهم مجدداً نحو الولايات أو بلدان المهجر، عقب اكتشافهم لسلسلة الأكاذيب الجوفاء.

ليتبيّن، في نهاية المطاف، أن وعود العودة لم تكن سوى “سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء”، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.