بلا تعريف

أطياف - صباح محمد الحسن

(ولو حدث هذا التفكيك المتعمد للمؤسسة بأيادي التنظيم، فإن ذلك ستكون له انعكاسات على الميدان العسكري؛ ففي ظل فتنة الخلافات الصامتة بين الجيش والحركات يمكن أن تتشكل دائرة فراغ عسكري يكون فيها المناخ مناسبًا للمؤامرة، الأمر الذي قد ينعش طموح الدعم السريع لإعادة الكرة من جديد!!)
طيف أول:
المسافة تضبط ذاتها للوصول،
وأنت تضللك حواس الكون،
وتربكك فكرة صلب أحلامك على حائط الانتظار.
وانطلاقًا من مبدأ “جيش مهني واحد” كضرورة ومطالبة مدنية وثورية الحقيقة لالتي تدركها حتى قيادة الجيش، بدليل أنها تسمي ما تقوم به إجراءات تصحيحية أو تعديلات أو عملية إصلاح على طريقتها الخاصة المعوجة؛ إلا أن المتابع لهذه القرارات يجد أن اتجاه رياحها ليس نحو إصلاح المؤسسة ولا نحو إعلاء صوتها على التنظيم، بل على العكس، خفت صوت المؤسسة وانطفأ بريقها، والنوافذ المطلة من مكاتب القرار تعكس حالة احتقان واضحة تنبئ بأن القادم قد ينذر بتصعيد داخلي يشكل نقطة فاصلة داخل المؤسسة العسكرية.
وبما أن قرارات الجنرال تفتقر إلى المهنية وتكشف عن عدم مؤسسية واضحة، فإن القرار الذي أهمل الكباشي كرجل ثانٍ في المؤسسة يعكس مفهومًا يعزز أن العسكرية تؤمن باحتكار القوة ولا تؤمن بقرار الإقالة، كما أنها تميل ميلًا واضحًا إلى الانقلابات، وهو ما ينتج عنه سعيها للتسلط والتمسك بالحكم.
فحكم العسكر هو الذي يشرعن الانقلاب ولا يؤسس للقرار، وما حدث في الجيش الآن من تمكين لرئيس الأركان هدفه التسلط الذي يحقق السلطة.
وأهم منصب في المؤسسة ذهب إلى الفريق ياسر العطا كرئيس هيئة الأركان، وهو منصب حصل عليه بالقسمة السياسية لا بالمهنية العسكرية، وهو خلل لا يمكن إصلاحه لأن البلاد بلا قانون ولا دستور. ولو كان هناك قانون، فالبرهان بلغ سن المعاش؛ فقانون المؤسسة العسكرية لا يسمح لمن تجاوز سن الستين بالبقاء في الخدمة، والبرهان بلغ هذه السن منذ انقلابه على السلطة، فمكانه الطبيعي الآن ساحة التقاعد. كما أن العطا نفسه، الذي تقلد أهم منصب في الجيش، يُعد من أضعف الشخصيات العسكرية وأقلها خبرة ومهنية.
والتنظيم يعلم أن العطا ليس هو الشخصية العسكرية المناسبة، لكنه و الذين تمت ترقيتهم في القائمة يمثلون آخر الوجوه والبطاقات العسكرية التي تلعب بها الفلول لعبة السياسة داخل الجيش.
وقد كتبنا من قبل أن الكباشي أكثر مهنية من البرهان والعطا، ولهذا السبب كان حاضرًا في المنامة بشخصيته التي تتوافق مع التعريف الدولي للضباط المنتمين للمؤسسة العسكرية. لذلك فإن تحييد الكباشي الآن ووضعه في مقعد “بلا تعريف”، وفي ذات الوقت عدم قدرة البرهان على إعفائه من منصبه، قد يكون ترددًا وحذرًا من مواجهته، وهي خطوة تمنح الكباشي القوة ولا تشعره بالضعف. فهذا الرجل عندما ذهب إلى المنامة كشف كل الأوراق هناك: من أشعل الحرب، ومن يسيطر على الميدان، ومن يرفض التفاوض، وقالها بالفم العسكري إن هذه الحرب حرب الإسلاميين.
فمن الذي يحاول أن يجرده من منصبه الآن؟ إجابة قد لا تحتاج أمريكا فيها إلى السؤال.
فهل من الممكن أن يكون الكباشي هو من يرفض العمل مع البرهان؟ الآن لطالما أن كل الشواهد تؤكد حديثنا عن أنه انقلاب ناعم بالتراضي، فإن الكباشي عسكريًا لن يقبل بالعطا رئيسًا لهيئة الأركان لافتقاره إلى المهنية العسكرية، ولأنه ربما يدرك أن هذا القرار هو أول مسمار في نعش المؤسسة العسكرية.
لهذه الأسباب يبقى البحث عن مهنية القرارات والشخوص سببًا لتصدع المؤسسة العسكرية، سيما أن ثمة خلافات مكتومة.
لذلك يمكن القول إن قرارات البرهان التي صدرت كورقة تعديل قد لا تكون سببًا في لملمة أطراف الجيش بقدر ما تكون أول ضربة لتفتيت المؤسسة العسكرية!!
ولو حدث هذا التفكيك للمؤسسة بأيادي التنظيم، فإن ذلك ستكون له انعكاسات على الميدان العسكري؛ ففي ظل الخلافات الصامتة بين الجيش والحركات يمكن أن تتشكل دائرة فراغ عسكري يكون فيها المناخ مناسبًا للمؤامرة، الأمر الذي يجعل من الخرطوم وأم درمان هدفاً جديدًا لإعادة الكرة للدعم السريع.
ووقوف مناوي على عتبة السلام وحديثه أن حرب 15 أبريل هي حرب بلا هدف، فقط حرب لأجل الحرب، يجعل الرجل لا يفصله عن “لا للحرب” إلا مسافة ضمير.
الضمير لا يمنع الخطيئة ولكنه يمنع التلذذ بها.
ومناوي عندما نظر إلى الحرب عن بعد ومن خارج الميدان رأى ما فعلته الحرب في بلاده؛ ففي السودان زيّن له البرهان سوء عمله وجعله يرتكب أكبر أخطائه السياسية عندما انحاز إلى الحرب.
فما بين تصدع سقف القرار العسكري واكتفاء مناوي بتلويحة سلام مع تمنياته أن يعمل المجتمع الدولي على إنهاء الحرب في بلاده، فإن ساحة الميدان في مقبل الأيام ستكون خالية حتى من كتائب البراء، التي ستتوارى بفعل الآثار التي تنعكس عليها من قرارات التصنيف.
إذن، وإن لم يقطع المجتمع الدولي الطريق بهدنة أو قرار يصب في مصلحة إنهاء الحرب، فإن الدعم السريع لن يتردد في إعادة طموحه العسكري والميداني!!
طيف أخير:
وفي اليوم الثاني لحرب إيران ذكرنا أن مقتل خامنئي كشف عن ضعف وهشاشة النظام الإيراني، وأن الحرب ستنتهي بتفاوض قريب، وأن تنصيب مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى لإيران لن ترفضه أمريكا لأنه سيكون الخطة المؤقتة التي تقود إلى الحوار بدلًا من الحرب.. وقد أعلنها ترامب أمس

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.