بين الرسائل السياسية والرهانات الدولية… ماذا يعني لقاء حميدتي بمبعوث الأمم المتحدة؟
نورا عثمان
في خضم تعقيدات المشهد السوداني، يأتي لقاء الفريق أول محمد حمدان دقلو، بالمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، بيكا هافيستو، كخطوة تحمل أكثر من دلالة، وتتجاوز في معناها مجرد نقاش بروتوكولي حول تطورات الأوضاع في البلاد.
اللقاء، الذي تناول الملفات السياسية والأمنية والإنسانية، يعكس محاولة لإعادة ترتيب العلاقة بين أحد أبرز أطراف الصراع والمجتمع الدولي، في لحظة تبحث فيها الأمم المتحدة عن مدخل جديد للتأثير في مسار الحرب. فترحيب حميدتي بالمبعوث الجديد، وإبداء الاستعداد للتعاون الكامل، لا يمكن فصله عن سعي واضح لتقديم نفسه كشريك محتمل في أي عملية سياسية قادمة، وليس مجرد طرف عسكري في نزاع مفتوح.
هذا التحرك يضعنا أمام قراءة أعمق: هل بدأت ملامح اعتراف دولي أكثر واقعية بالأطراف الفاعلة على الأرض؟ أم أن الأمم المتحدة تحاول فقط كسر الجمود عبر فتح قنوات اتصال مع الجميع، دون أن يعني ذلك تبني مواقف جديدة؟
في كل الأحوال، فإن تغيير المبعوث الأممي يحمل في طياته رغبة ضمنية في تجاوز إخفاقات المرحلة السابقة، التي اتسمت بالبطء وعدم القدرة على إحداث اختراق حقيقي في مسار الأزمة. ومع وصول هافيستو، تبدو الأمم المتحدة أكثر ميلاً لتبني مقاربة مرنة، تقوم على الحوار المباشر مع مختلف الفاعلين، مهما كانت طبيعتهم.
لكن هذه المقاربة تظل محفوفة بالتحديات. فالتوازن بين الانفتاح على الأطراف المسلحة والحفاظ على مبادئ الحياد والمساءلة ليس أمرًا سهلاً. كما أن القوى المدنية، التي ظلت تطالب بدور دولي أكثر وضوحًا، قد تنظر إلى مثل هذه اللقاءات بعين الريبة، خاصة إذا لم تقترن بخطوات عملية لوقف الحرب.
في المقابل، لا يمكن تجاهل البعد الإنساني في هذا اللقاء. فالإشارة إلى التعاون مع الأمم المتحدة لتخفيف معاناة السودانيين تعكس إدراكًا متزايدًا بأن كلفة الحرب لم تعد تُحتمل، وأن أي طرف يسعى لكسب شرعية داخلية أو خارجية، عليه أن يقدم نفسه كجزء من الحل لا المشكلة.
يبقى السؤال الأهم: هل يتحول هذا اللقاء إلى نقطة انطلاق لمسار جديد؟
الإجابة لن تتوقف على التصريحات، بل على ما سيتبعها من أفعال. فالسودانيون لم يعودوا بحاجة إلى بيانات، بقدر حاجتهم إلى وقف حقيقي للحرب، ومسار واضح نحو السلام.
وفي انتظار ذلك، يظل كل لقاء دولي اختبارًا جديدًا: إما أن يقرّب البلاد من نهاية المأساة… أو يضيف فصلاً آخر في دفتر الانتظار.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.