الوحدة الوطنية: بين المفهوم والأزمة والبحث عن التماسك

 محجوب حندوقة

في مقالين سابقين بتاريخ 27/2/2023 وبتاريخ 3 مارس 2023، تحدثتُ عن غياب الرؤية الوطنية، وبيّنتُ بالتفصيل أن مخلفات بكتيريا دولة 56، وبالرغم من الثورات التي قامت، إلا أنها انتشرت في مفاصل الدولة كانتشار السوس في الأضراس، وقضت على الأخضر واليابس، مما قادنا بفعلها إلى واقع مرير لا يُحمد عقباه، وقد تجلت معالمه في الوضع الماثل الذي ضاق فيه الشعب ويلات الحرب التي أشعل نارها جلاوزة ذلك النظام، والتي لا رابح ولا منتصر فيها، بل الكل خاسر.

بما أننا اليوم نعيش في عصر به حكومتان: حكومة البرهان فاقدة السند والشرعية بانقلابها المشؤوم على الثورة، وحكومة السلام التي جاءت بعد مخاض عسير ووجدت السند والتأييد الشعبي، ومن هذا المنطلق، بات جليًا أن نمضي في هذا الفج بالحديث عن الوحدة الوطنية بمختلف معانيها ومفهومها.

ومن المعلوم أن الوحدة الوطنية مفهوم يتألف من عنصري الوحدة والوطنية، وأن مجموعهما يشكل هذا المفهوم؛ فالوحدة تعني جمع الأشياء المتفرقة في كل واحد مطرد، أما مفهوم الوطنية فقد اختلف حوله الباحثون؛ فهناك من يرى أن الوطنية هي انتماء الإنسان إلى دولة معينة يحمل جنسيتها ويدين بالولاء لها، باعتبار أن الدولة ما هي إلا مجموع من الناس يستقر في إقليم واحد ويخضع لحكومة منظمة، وهناك من يرى أن الوطنية تعني حب الوطن بسبب طول الانتماء إليه، بينما يرى بعض الباحثين أن الوحدة، بمفهوم الفكر السياسي المعاصر، هي اتحاد اختياري بين المجموعات التي تدرك أن وحدتها تكسبها نموًا وميزات اقتصادية وسياسية تعزز مكانتها العالمية.

اختلف تعريف الوحدة الوطنية عبر التاريخ، كما اختلف الباحثون المحدثون نتيجة لاختلاف الثقافات والتباينات الخارجية الدولية؛ فقد رأى أبو حامد الغزالي أن الوحدة الوطنية تتحقق من خلال الحاكم، لأنه أساس وحدة الأمة، وأنه محور اتفاق الإرادات المتناقضة والشهوات المتباينة المتنافرة، من خلال جمعها حول رأي واحد بسبب هيبته وتأييد الأمة له، عبر تعاقد سياسي بينهم وبينه، على أن يقوم هذا التعاقد على الرضا الأعلى.

أما جان جاك روسو فيرى أن الوحدة الوطنية هي قيام عقد اجتماعي بين الشعب والنظام السياسي القائم، بحيث يتوحد الشعب في وحدة قومية مصيرية، في إطار من مسؤولية مشتركة يطيع فيها الفرد الحكومة، والتي هي نظام اجتماعي ارتضاه طواعية واختيارًا، وتقترن هذه الوحدة بالديمقراطية من خلال حكومة ديمقراطية يستطيع الشعب في ظلها أن يجتمع، ويرى آخر أن الوطنية هي طاعة القانون في إطار الحرية المقدمة منه، على أن يتوافق القانون مع منطق العدل الذي هو منطق التاريخ.

أما محمد سليمان فيرى أنها قيام رابطة قوية بين مواطني دولة معينة تقوم على عناصر واضحة يحس بها الجميع ويؤمنون بها ويستعدون للتضحية دونها والدفاع عنها، أما جواد يوسي فيرى أنها تعني التعايش بين المجموعات الدينية والعرقية داخل الدولة، ويرى عبدالعزيز الرفاعي أنها تجمع كل المواطنين تحت راية واحدة من أجل تحقيق هدف سامٍ فوق أي خلاف أو تحزب، في ظل ولاء أسمى يدين به كل فرد من أفراد المجتمع ويحكم انتماءه للوطن، ويرى آخر أنها عدم وجود صراع محلي في المجتمع أو عدم وجود تفاعلات تتصف بالضعف، وعند عادل محمد زكي هي حاصل إرادات مجموعات بشرية مختلفة النزعات والغايات والمصالح، رأت أن في صالحها قيامها، وبناءً على ذلك فهي محصلة مجموع الإرادات المختلفة، وهي صورة حقيقية وصادقة بجميع الاتجاهات والأبعاد، وهذا يعطيها قوة وسلطة تستطيع أن تعكس كل ما كان يحمله في نفوس هؤلاء الأفراد المختلفين في أصولهم ونزعاتهم، وقد جمعتهم الأرض، وقام بينهم اقتناع شامل بأبعاد كل ما يعتري علاقاتهم من تناقضات وصراعات وانفعالات، ويعملون من أجل غاية واحدة.

ويرى محمد عمارة أن الوحدة الوطنية هي تآلف بين أبناء الأمة الواحدة من خلال الروابط القومية على أساس من حقوق المواطنة التي ترفض التمييز والتفرقة بين أبناء الأمة بسبب المعتقد والدين.

ويرى عبدالسلام بغدادي أن الوحدة الوطنية هي وجود نوع من الاتفاق والوفاق على ثقافة وطنية مشتركة، وإطار من التفاعل السياسي والاقتصادي والاجتماعي بين النظام السياسي وأعضاء الجماعة الوطنية من جانب، وبين الجماعات الإثنية المختلفة من جانب آخر، بحيث يتحقق التفاعل والتلاحم بين جميع أعضاء الجماعة الوطنية (عموم السكان)، بغض النظر عن انتماءاتهم الإثنية المختلفة بين أغلبية وأقلية، أو خلفياتهم الثقافية والسياسية الفرعية، أو انتماءاتهم الإقليمية أو القبلية.

هذه التعريفات وغيرها تنطلق من بيئة معينة وظروف محددة ولحظة تاريخية حكمت ذلك التعريف، ولكن هل يمكننا القول بأن الوحدة الوطنية تعني تحقيق التفاعل والتلاحم والتعاضد بين جميع أفراد الشعب، بغض النظر عن انتماءاتهم الأيديولوجية أو الثقافية أو الدينية أو المذهبية أو الإثنية أو اللغوية أو الإقليمية أو الطبيعية أو العشائرية، بما يساهم في تحقيق أهداف كلية تخدم مصلحة الجميع بلا استثناء؟

وبغض النظر عن التباينات التي انطلقت منها هذه التعريفات للوحدة الوطنية، إلا أنها تتفق جميعها على أن الوحدة الوطنية هي انصهار جميع أبناء الشعب في بوتقة واحدة وكيان واحد، وعدم وجود أي صراع بينهم، بحيث يؤمن الجميع أنهم أبناء وطن واحد.

ومهما اختلفت التعريفات في الوسائل التي نتخذها للوصول إلى الهدف، إلا أنها تسعى نحو هدف واحد، رغم اختلاف الوسائل.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.