شمس الدين كباشي.. وهل نبكي لكلب الصيد إن أودى به الصياد؟

منعم سليمان

في البدء، لا بد من توضيح سريع: لا أقصد تشبيه الجنرال المعزول “الكباشي” بالكلب – معاذ الله – فلا الكلب الذي بالعنوان هو كلبي ولا العنوان عنواني، ولكنه بيت من قصيدة نُظِمت في تشبيه جنرال عراقي آخر أخذته العزة بالعسكرية حتى منح نفسه رتبة “مهيب”، وهي في حقيقتها حالة نفسية أكثر من كونها رتبة عسكرية، تصيب العسكر دون سواهم، وخصوصاً في منطقتنا الموبوءة بهم، ومنهم “الكباشي” المذكور في العنوان!

لا أعايره أو أناديه بالكلب، وإنما أصف دوره كما هو؛ فقد استُخدم في وظيفة كلب الصيد، وقد أتم المهمة التي أوكلت إليه؛ اصطاد الفريسة (المدنيين والحكم المدني)، ثم تخلص منه الصياد.

ولا أسف، ولا أسى، ولا شماتة، ولا قول لي سوى ما قالت العرب قديماً : “يداك أوكتا وفوك نفخ”.

لا أكتب هذا تشفياً، بل مطابقة بين المقال والمآل، وتفسيراً لما انتهى إليه الحال -حاله- فهو لم يكن خصماً للحكم المدني فحسب، بل كان أحد أدوات تقويضه، ولم يرفض هيكلة الجيش وإصلاحه فقط، بل قاومها بعنادٍ يكاد يبلغ حد الهوس. ولم يتحمس للانقلاب كغيره، بل اندفع إليه أكثر منهم.

وما رأيناه نحن ولم يره وقتها، هو ما يحزننا ويؤلمنا أكثر اليوم، وهو: أن الطريق الوحيد لصعوده وبلوغه قيادة الجيش كان عبر الحكم المدني نفسه.

فهذا الجيش الذي تسيطر عليه مجموعة محددة؛ تتناوب على قيادته، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يسمح بأن يقوده قائد من جبال النوبة، أو دارفور، أو النيل الأزرق، أو شرق السودان، بل وربما الجزيرة نفسها.

فعسكري الهامش يُستدعى دائماً ككلب صيد، وتنتهي الحاجة إليه بانتهاء الرحلة!

ولا أعرف أحداً لم يكن يعلم بأن الكباشي سيُعزل، وربما الشخص الوحيد الذي لم يكن يدرك ذلك هو “الكباشي” نفسه، كما لا أعرف أحداً الآن يجهل أن “مالك عقار”، الجالس الآن نائباً للبرهان في ذلك المجلس الوهمي، لن يكون بديلاً له في يوم من الأيام.

ومن البداهة، بل من اليقين: أن المعتوه الآخر “مناوي” لن يشغل أي موقع في قمة الهرم؛ حتى لو أُصيب شاغله بالجنون والجذام وسيئ الأسقام. ليس لأنه مختل نفسياً ومتدنٍ فكرياً وإنسانياً – وهو كذلك – بل لأن نظرتهم إليه أدنى من كلب الصيد، مهما علا صوته وكثر نباحه!

إن أي نظام ديني هو، بالضرورة، نظام عنصري، هذا مما لا شك فيه، والبرهان هو خيار “سودان الكيزان”، وهو النموذج والبناء الذي سعوا إلى تشييده، فجاءت ثورة ديسمبر وهدمته على رؤوسهم.. تلك الثورة الباذخة التي غدر بها الكباشي، وجعل من أولى مهامه زوالها وإعادة بناء فردوسهم المفقود.

فلما اكتمل البناء، قصفوه بطوبة من سجيل مكرهم. فأصبح بائساً على النحو الذي هو عليه الآن: يستنجد بعصبية القبيلة من ظلمٍ كان هو نفسه أحد صانعيه؛ “مترامياً في نهايته على مرمى بدايته”، على حد تعبير الشاعر العراقي الجهبذ “أحمد مطر”، صاحب البيت الوارد في العنوان، في قصيدته التي يقول فيها:

وهل نأسى لعاهرة لأن غريمها قواد؟..
وهل نبكي لكلب الصيد إن أودى به الصياد؟..
ذبحنا العمر كل العمر قرباناً لطيحته..
وحان اليوم أن نسمو لنلثم هامة الطيحة..
وأظمأنا مآقينا بنار السجن والمنفى..
لكي نروي الصدى من هذه اللمحة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.