ظلّ الشعب السوداني، عبر تاريخه الحديث، الضحية الأكبر لصراعات السلطة والحروب والانقلابات التي لم تتوقف منذ فجر الاستقلال. فمنذ عام 1956م، لم ينعم السودان باستقرار ديمقراطي حقيقي، إذ تعاقبت عليه الأنظمة العسكرية بصورة جعلت الحكم المدني مجرد فترات قصيرة ومتقطعة في تاريخ طويل من السيطرة العسكرية على مفاصل الدولة.
وعلى امتداد أكثر من ستة عقود، لم تتجاوز سنوات الحكم المدني في السودان سوى سنوات معدودة، بينما استأثر العسكر بالسلطة لما يزيد على خمسة وخمسين عاماً، في مشهد يكشف حجم الاختلال السياسي الذي لازم الدولة السودانية منذ نشأتها. ولم يكن السودان بعيداً عن دوامة الانقلابات، بل أصبح من أكثر الدول التي عانت من محاولات الاستيلاء على السلطة بالقوة، إذ شهد عشرات المحاولات الانقلابية بين ناجحة وفاشلة وأخرى أُحبطت في مهدها. فكانت الحصيلة أن السودان من أكثر دول العالم من حيث الانقلابات العسكرية، الأمر الذي جعل إرادة الشعب دائماً رهينة للبندقية لا لصندوق الاقتراع.
لقد ظل حلم الدولة المدنية يراود السودانيين جيلاً بعد جيل، غير أن هيمنة المؤسسة العسكرية وتحالفاتها السياسية والأيديولوجية، خاصة مع تيارات الإسلام السياسي، أعاقت بصورة مستمرة أي تحول ديمقراطي حقيقي. فكلما اقترب السودانيون من بناء دولة المؤسسات والقانون، أعادتهم الانقلابات إلى دائرة الدم والانقسام والفوضى.
إن المتأمل في تاريخ السودان السياسي يدرك أن الحروب لم تكن مجرد صراعات عابرة، بل أصبحت جزءاً من بنية السلطة نفسها. فالاتفاقيات التي وُقِّعت على امتداد العقود الماضية لم تنجح في معالجة جذور الأزمة السودانية، لأنها غالباً ما كانت تسويات مؤقتة تُبنى على تقاسم النفوذ لا على تأسيس دولة عادلة تتساوى فيها الحقوق والواجبات. ولهذا انتهت معظم تلك الاتفاقيات إلى الفشل، بل إن بعضها أسهم في تعقيد المشهد أكثر مما كان عليه.
ومنذ اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل، دخل السودان مرحلة أكثر خطورة وتعقيداً، حيث توسعت رقعة الانهيار السياسي والاجتماعي والإنساني بصورة غير مسبوقة، وأصبح المواطن السوداني يدفع وحده ثمن صراع النخب على السلطة والثروة والنفوذ.
ويبقى السؤال الأكثر إيلاماً: ماذا يمكن أن ينتظر الشعب السوداني من سلطة تأسست على العنف، وحكمت بالجماجم، وأدارت الدولة بسياسة الفتن والانقسامات؟ وكيف يمكن لوطن أنهكته الحروب أن يجد طريقه نحو السلام في ظل عقلية لا ترى في السلطة سوى غنيمة، ولا تؤمن بالديمقراطية إلا حين تخدم مصالحها؟
إن الأزمة السودانية لم تعد مجرد أزمة حكم، بل أصبحت أزمة مشروع وطني غائب، وأزمة نخبة سياسية وعسكرية فشلت في بناء دولة تتسع للجميع. ولذلك فإن الخروج من هذا النفق لن يتحقق إلا بإرادة وطنية حقيقية تؤمن بأن السودان لا يمكن أن يُحكم بالبندقية، وأن مستقبل الشعوب لا يُبنى على أنقاض الدم والكراهية.
Prev Post
Next Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.