السودان بين فرصة الحوار ومخاطر الحرب

نورا عثمان

في وقت تتواصل فيه معاناة ملايين السودانيين تحت وطأة الحرب والنزوح والجوع وانهيار الخدمات الأساسية، تتجدد التحركات الإقليمية والدولية الهادفة إلى إحياء مسار الحوار السياسي، عبر الاجتماعات التي ترعاها الآلية الخماسية، في محاولة لكسر حالة الجمود التي أحاطت بالملف السوداني خلال الفترة الماضية.
هذه الجهود تأتي في لحظة حرجة من تاريخ البلاد، حيث تبدو الحرب وكأنها دخلت مرحلة الاستنزاف الطويل، دون أن يحقق أي طرف نصراً حاسماً، بينما تتسع دائرة الخسائر الإنسانية والاقتصادية بصورة غير مسبوقة. ولذلك فإن أي تحرك يهدف إلى جمع السودانيين حول طاولة الحوار يستحق الاهتمام والدعم، لأن البديل هو استمرار دورة العنف التي تدفع البلاد نحو مزيد من التفكك والانهيار.
لقد أثبتت التجربة السودانية، منذ اندلاع الحرب، أن الحلول العسكرية لم تقدم سوى المزيد من الدمار. فالمدن التي كانت نابضة بالحياة تحولت إلى ساحات قتال، والمؤسسات التي كان يفترض أن تخدم المواطنين أصبحت عاجزة عن أداء دورها، فيما وجد ملايين السودانيين أنفسهم بين نازح ولاجئ ومشرد داخل وطنه أو خارجه.
ومن هنا تأتي أهمية الاجتماعات الجديدة التي تسعى الخماسية إلى عقدها، باعتبارها محاولة لإعادة الملف السوداني إلى المسار السياسي، وإيجاد أرضية مشتركة تسمح بوقف الحرب وفتح الباب أمام عملية سياسية شاملة تعالج جذور الأزمة بدلاً من الاكتفاء بإدارة نتائجها.
لكن، وبرأيي، فإن نجاح هذه الجهود لن يكون مرتبطاً فقط بحسن النوايا أو بعقد اللقاءات السياسية، بل بوجود إرادة حقيقية لدى الأطراف المتصارعة للتخلي عن أوهام الحسم العسكري. فكل يوم إضافي من الحرب يثبت أن الرهان على القوة لم يعد قادراً على إنتاج استقرار أو شرعية أو مستقبل أفضل للسودانيين.
كما أعتقد أن المجتمع الدولي مطالب اليوم بأكثر من دور الوسيط. فالسودان يحتاج إلى شراكة دولية وإقليمية قادرة على توفير الضمانات اللازمة لأي اتفاق سلام، وعلى ممارسة الضغوط المطلوبة لمنع الأطراف من العودة إلى السلاح كلما تعثرت العملية السياسية.
وفي هذا السياق، أرى أن توسيع دائرة الدعم الدولي للحوار يظل أمراً ضرورياً، لأن الأزمة السودانية تجاوزت حدود الصراع الداخلي، وأصبحت قضية ترتبط بالأمن الإقليمي والاستقرار في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر بأكملها.
غير أن العامل الأكثر أهمية يظل في الداخل السوداني نفسه. فالحلول المستدامة لا يمكن أن تُفرض من الخارج، بل يجب أن تنبع من توافق وطني يضع مصلحة السودان فوق المصالح الحزبية والعسكرية الضيقة. كما ينبغي أن تمنح القوى المدنية والقوى المجتمعية مساحة حقيقية للمشاركة في رسم مستقبل البلاد، بعد سنوات من التهميش والاستقطاب.
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى اتفاقات مؤقتة بقدر حاجته إلى مشروع وطني جديد يؤسس لدولة المواطنة والعدالة وسيادة القانون، ويعيد بناء المؤسسات على أسس مهنية بعيداً عن الهيمنة العسكرية أو الأيديولوجية.
ورغم كل الصعوبات، ما زلت أؤمن بأن فرصة السلام لم تضِع بعد. فالشعوب التي استطاعت أن تتجاوز الحروب والانقسامات قادرة على النهوض من جديد متى ما توفرت الإرادة السياسية والرؤية الوطنية الجامعة.
إن اجتماعات الخماسية قد تمثل خطوة مهمة على هذا الطريق، لكنها لن تكون ذات قيمة حقيقية إلا إذا نجحت في تحويل الحوار من مجرد لقاءات سياسية إلى مسار فعلي يوقف الحرب وينقذ ما تبقى من الوطن.
فالسودانيون لا ينتظرون بيانات جديدة بقدر ما ينتظرون نهاية لهذه المأساة الطويلة، وبداية مرحلة تعيد إليهم حقهم في الأمن والاستقرار والحياة الكريمة. ويبقى الأمل أن يكون الحوار هذه المرة بداية الحل، لا محطة جديدة في طريق الانتظار.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.