يبدو أن الملف السوداني عاد مجدداً إلى دائرة الاهتمام الإقليمي والدولي، مع تجدد التحركات الرامية إلى دفع الأطراف السودانية نحو طاولة الحوار عبر الاجتماعات التي ترعاها الآلية الخماسية. وفي ظل استمرار الحرب وتفاقم الكارثة الإنسانية، تمثل هذه الجهود محاولة جديدة لكسر حالة الجمود السياسي التي أحاطت بالأزمة خلال الأشهر الماضية، وفتح نافذة أمل أمام شعب أنهكته الحرب والنزوح والانهيار الاقتصادي.
الدعوة إلى جولة جديدة من المشاورات بين القوى السودانية تعكس إدراكاً متزايداً لدى المجتمع الدولي بأن استمرار الصراع لم يعد يشكل تهديداً للسودان وحده، بل أصبح مصدر قلق إقليمي يمتد تأثيره إلى دول الجوار والقرن الإفريقي والبحر الأحمر. فكل يوم إضافي من الحرب يعني مزيداً من الضحايا، ومزيداً من التصدع في مؤسسات الدولة، ومزيداً من المخاطر التي تهدد وحدة السودان ومستقبله.
ورغم أهمية التحرك الذي تقوده الخماسية، فإن نجاح أي عملية سياسية لن يعتمد فقط على عقد الاجتماعات أو إصدار البيانات، بل على قدرتها في إقناع الأطراف المتحاربة بأن لا حل عسكرياً لهذه الأزمة. لقد أثبتت سنوات الحرب أن أياً من الأطراف لم يتمكن من حسم المعركة، بينما كان المدنيون هم الخاسر الأكبر في كل جولة من جولات الصراع.
لكن، ومن وجهة نظري، فإن فرص النجاح قد تكون أكبر إذا جرى تعزيز هذه الجهود من خلال دور أكثر فاعلية لما يُعرف بالرباعية الدولية، التي تضم أطرافاً تمتلك ثقلاً سياسياً ودبلوماسياً واقتصادياً أكبر، وقادرة على ممارسة ضغوط حقيقية على المتحاربين وداعميهم الإقليميين.
لقد أثبتت التجارب السابقة أن الأزمات المعقدة مثل الأزمة السودانية تحتاج إلى رعاة يمتلكون أدوات التأثير والضغط، وليس مجرد القدرة على تسهيل الحوار. فالرباعية، بحكم علاقاتها الدولية وإمكاناتها السياسية، تستطيع أن توفر ضمانات أقوى لأي اتفاق محتمل، كما يمكنها أن تسهم في حشد الدعم الاقتصادي والسياسي اللازم لمرحلة ما بعد الحرب.
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية دور الخماسية، بل العكس. فكل جهد يسعى إلى وقف الحرب يستحق الدعم والتقدير. لكن الواقع السوداني بات شديد التعقيد، وتتداخل فيه الحسابات العسكرية مع المصالح الإقليمية والدولية بصورة تجعل الحاجة ملحة إلى إطار أوسع وأكثر تأثيراً يجمع بين الوساطة السياسية والضغط الدبلوماسي والضمانات الدولية.
الأهم من كل ذلك أن أي مبادرة لن تنجح ما لم تضع المدنيين السودانيين في قلب العملية السياسية. فالحرب الحالية كشفت أن استبعاد القوى المدنية وتهميش أصوات السلام كان من بين الأسباب الرئيسية التي قادت البلاد إلى هذا المأزق. لذلك ينبغي أن يكون الحوار المقبل شاملاً، يفتح المجال أمام مختلف القوى السياسية والمدنية والمجتمعية للمشاركة في رسم مستقبل السودان.
إن السودان لا يحتاج اليوم إلى مزيد من المؤتمرات الشكلية أو المبادرات المؤقتة، بل إلى عملية سياسية جادة تنهي الحرب وتؤسس لدولة تقوم على المواطنة والعدالة وسيادة القانون. كما يحتاج إلى توافق وطني واسع يعالج جذور الأزمة، لا مجرد أعراضها.
ومع اقتراب جولة المشاورات الجديدة، يبقى الأمل قائماً في أن تدرك الأطراف السودانية أن استمرار الحرب لن ينتج سوى مزيد من الدمار، وأن الحوار ـ مهما كان صعباً ـ يظل أقل كلفة من الرصاص. كما يبقى الأمل قائماً في أن تتكامل جهود الخماسية مع دور دولي أوسع وأكثر فاعلية، لأن السودان اليوم بحاجة إلى إرادة سلام حقيقية بقدر حاجته إلى وسطاء قادرين على تحويل هذه الإرادة إلى واقع.
فالشعوب لا تنتصر بالحروب الطويلة، وإنما تنتصر عندما تنجح في بناء السلام. والسودان يستحق أخيراً أن يمنح أبناءه فرصة للحياة بدلاً من البقاء رهائن لمعركة لا يبدو أن لها نهاية قريبة.
Prev Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.