في المدن المنكوبة، لا يأتي الخطر دائمًا من حيث يتوقع الناس… أحيانًا، ينقضّ الموت من السماء، بلا إنذار، بلا تمييز، وبلا رحمة. هذا ما حدث في مدينة كتم بولاية شمال دارفور، حيث تحولت لحظة عادية من حياة مدنيين إلى مأساة جماعية، إثر قصف بطائرة مسيّرة تابعة للجيش السوداني.
الأسماء التي ترد في قوائم الضحايا ليست مجرد أرقام في سجل حرب طويل، بل وجوه وحكايات وأحلام انطفأت فجأة. أطفال، أمهات، شباب، وأسر كاملة، سقطوا في لحظة واحدة. شقيقتان وبنت عمّهما، أطفال من أسرة واحدة، أمهات فقدن أبناءهن، وأبناء فقدوا أمهاتهم.. إنها صورة مكثفة لانهيار المعنى الإنساني في ظل حرب لم تعد تفرّق بين جبهة ومنزل، ولا بين مقاتل ومدني.
ما حدث في كتم ليس حادثة معزولة، بل يأتي ضمن سياق متصاعد من استخدام الطائرات المسيّرة في النزاع السوداني، وهو تطور خطير يعكس تحولًا في طبيعة الحرب. هذه الوسائل، رغم دقتها المفترضة، أثبتت في أكثر من مناسبة أنها تحمل مخاطر جسيمة على المدنيين، خاصة في بيئات مكتظة بالسكان وضعيفة البنية التحتية للمعلومات الاستخباراتية.
في هذه المجزرة، تتكثف الأسئلة الأخلاقية قبل السياسية: من يحدد الهدف؟ ما هي معايير التمييز؟ وأين تقف المسؤولية حين يسقط هذا العدد الكبير من المدنيين؟ إن القانون الدولي الإنساني واضح في هذا الشأن، إذ يفرض التمييز بين المدنيين والمقاتلين، ويحظر الهجمات العشوائية أو غير المتناسبة.. لكن الواقع على الأرض يقول شيئًا مختلفًا تمامًا.
الأكثر إيلامًا ليس فقط عدد الضحايا، بل طبيعتهم. أطفال في أعمار مبكرة، نساء، وأسر بكاملها، ما يعني أن الضربة لم تكن مجرد «خطأ تكتيكي»، بل تعكس خللًا عميقًا في قواعد الاشتباك، أو في تقدير المخاطر، أو ربما في غياب المساءلة بالكامل. وفي ظل غياب تحقيقات شفافة ومستقلة، يبقى الخوف الأكبر هو أن تتحول مثل هذه الحوادث إلى “روتين حرب”، تُنسى بسرعة، وتُطوى دون محاسبة.
في كتم، كما في غيرها من مدن دارفور، يعيش الناس على هامش العالم.. لا تغطية إعلامية كافية، ولا ضغط دولي فعال، ولا حتى ضمانات أساسية للحماية. ومع كل حادثة من هذا النوع، تتآكل الثقة أكثر في أي حديث عن عمليات دقيقة أو أهداف مشروعة.
لكن الأخطر من كل ذلك هو الأثر النفسي والاجتماعي طويل المدى… حين يُقتل الأطفال بهذه الطريقة، فإن المجتمع لا يفقد أفرادًا فقط، بل يفقد جزءًا من مستقبله. وحين تُستهدف الأسر داخل منازلها، فإن الإحساس بالأمان- وهو أبسط حقوق الإنسان – ينهار بالكامل.
ما تحتاجه كتم اليوم ليس فقط التعاطف، بل الحقيقة: تحقيق مستقل وشفاف يحدد المسؤوليات بوضوح، ويضع حدًا لدوامة الإفلات من العقاب. فبدون العدالة لن يكون هناك سلام، وبدون المحاسبة ستتكرر المأساة بأشكال مختلفة.
وفي هذا السياق، تتزايد الدعوات إلى مراجعة أدوار القوى السياسية والتنظيمات التي أسهمت في عسكرة الدولة والمجتمع، بما في ذلك تنظيم «الحركة الإسلامية»، وضرورة إخضاعها للمساءلة القانونية والسياسية وفق أطر العدالة الانتقالية وسيادة حكم القانون، بما يضمن عدم تكرار مثل هذه الانتهاكات مستقبلًا.
في النهاية، تبقى كتم شاهدًا حيًا على حرب فقدت بوصلتها. مدينة صغيرة، لكنها تحمل جرحًا كبيرًا يختصر معاناة وطن بأكمله. وبين أسماء الضحايا، يظل السؤال معلقًا: كم من الأرواح يجب أن تُزهق قبل أن يتوقف هذا العبث؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.