ليس كل دفاعٍ نجدة، ولا كل شهادةٍ براءة. فبعض الشهادات، حين تُقال، لا تُبرِّئ المتَّهَم بقدر ما تُدينه، ولا تستر الفضيحة بل تُعرّيها على رؤوس الأشهاد. وهذا بالضبط ما فعله “شاهد الزور” الذي خرج ليذرّ الرماد على العيون، فإذا به ينفخ في جمر الحقيقة حتى تتّقد.
القضية واضحة وضوح الشمس: وزير التربية بولاية الجزيرة ظهر في مقطع فيديو، يتحدث بلسانه، بلا إكراه ولا اجتزاء، بما لا يدع مجالًا للتأويل. ثم خرجت علينا الأسطوانة المشروخة: “الفيديو مبتور”، “الكلام مجتزأ”، “هناك بترٌ للسياق”. وهي ذات “الفرمالة” التي استُهلكت حتى بارت، ولم تعد تقنع أحدا مها كانت “ريالته سايلة”، فضلًا عن معلمين خبروا الخداع الرسمي سنينًا طوالًا.
لكن ما لم يكن في الحسبان، أن يتقدّم للدفاع من يفضح نفسه قبل أن يبرئ غيره. فالمتحدث—وهو ملازم في القوات المسلحة (السلاح الطبي بمدني)، وصاحب مدارس خاصة—قدّم نموذجًا صارخًا لتضارب المصالح وانكشاف الأجندة. فمن موقعه العسكري، الذي يُفترض فيه الانضباط والحياد، ينخرط في خطاب سياسي فج، يهاجم فيه القوى السياسية جميعها، ويصنّف الناس على هواه. ومن موقعه كصاحب مؤسسة تعليمية خاصة، يتحدث في شأن عام يمسّ المعلمين، ثم لا يجد حرجًا في وصفهم بالجهل وعدم الفهم! أي مفارقةٍ هذه؟! وأي استعلاءٍ أجوفٍ هذا الذي يجعل من صاحب مصلحةٍ مباشرةٍ قاضيًا على أهل المهنة؟
ثم يمضي الرجل أبعد من ذلك، ليحدثنا—بلا حياء—عن عزمه الجلوس مع المدير العام، ومع الوزير، بل وتواصله “هب كدا!!” مع مجلس السيادة! والسؤال الذي لا يحتاج إلى ذكاء خارق: بأي صفة يحدث كل ذلك؟ هل أصبح الوصول إلى دوائر القرار مفتوحًا لكل صاحب مدرسة خاصة؟ أم أن الأمر ليس سوى شبكة مصالح، يتداخل فيها التعليمي بالسياسي بالعسكري، في مشهدٍ يختصر مأساة الدولة المختطفة؟
وحين تضيق الحُجّة، ينكشف المستور. إذ يختم المتحدث حديثه بالتحايا لعبد الفتاح البرهان، والجيش، والقوى المساندة. وهنا، لا يعود الكلام مجرد رأي، بل إعلان موقفٍ سياسيٍ صريح، يُسقط عن صاحبه أي ادعاءٍ بالحياد أو الموضوعية.
يقول السودانيون: “شكارتها دلاكتها”—أي أن الوعاء يفضح ما بداخله. وقد صدق المثل؛ فالرجل لم يحتج إلى من يكشفه، بل تكفّل هو بالمهمة كاملة. وأما حديثه عن “حربٍ ممنهجة” من “القحاطة”، فهو ليس إلا محاولة بائسة لتحويل الأنظار عن جوهر القضية. فالقضية ليست صراع تسميات ولا تصفية حسابات سياسية، بل واقعة موثقة، وشهادة حيّة من معلمين على الأرض، يؤكدها الواقع اليومي المرير الذي لا يمكن بتره ولا اجتزاؤه. ثم تأتي القاصمة: استعداد المتحدث “الشوبار” المعلن عن تمويل حملة إعلامية عبر قناة فضائية “لتجميل” صورة الوزير! وهنا تسقط كل الأقنعة دفعة واحدة. فمن يحتاج إلى حملات مدفوعة لتلميعه، إنما يعترف—ضمنيًا—أن الحقيقة ليست في صالحه. إنها ليست مسألة فيديو مبتور، ولا تصريح مجتزأ، بل منظومة كاملة تحاول إعادة إنتاج الكذب كحقيقة، والتزييف كواقع. لكن هيهات—فالمعلمون، الذين أرادوا إسكاتهم، صاروا شهودًا لا يُكذَّبون. والواقع، الذي أرادوا طمسه، صار أوضح من كل بيانات النفي.
لقد آن لهذه “الفرمالة” أن تتوقف. فالكلمات المستهلكة لا تصمد أمام الحقائق الدامغة، والوجوه التي احترفت التبرير لم تعد تملك ما تقوله سوى تكرار نفسها حتى السقوط.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة بسيطة، عنيدة، وعارية من كل رتوش: ما قيل قد قيل، وما حدث قد حدث، ولن تغسله لا بيانات النفي، ولا حملات التلميع، ولا كل مياه بحور ومحيطات الأرض.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.