تمدد نفوذ الإسلاميين يثير مخاوف من استنساخ تجربة “التمكين” وتعميق أزمة السودان

تقرير ـ عين الحقيقة

​في الوقت الذي تشتعل فيه جبهات القتال بالسودان وتتفاقم الأزمة الإنسانية، ترصد دوائر سياسية وميدانية في مدينة بورتسودان عاصمة حكومة الامر الواقع ملامح حراك سياسي يعيد للأذهان حقبة الإنقاذ الظلامية.
وتكشف التقارير الواردة من ثغر السودان عن عودة ممنهجة لكوادر النظام السابق (الإسلاميين) إلى مفاصل الدولة، وسط تحذيرات من أن تؤدي هذه العودة إلى عزلة دولية جديدة وتعقيد مسارات الحل السلمي. و ​تشير القراءة المتأنية للتعيينات الأخيرة في الدوائر الحكومية والدبلوماسية بورتسودان إلى سياق وصفه مراقبون بـ اعادة التدوير السياسي. فبدلاً من الاستعانة بكفاءات وطنية مستقلة قادرة على إدارة اقتصاد الحرب وتجاوز الأزمات، فُتح الباب على مصراعيه أمام كوادر الصف الثاني والثالث من منسوبي النظام السابق.
​ظاهرة حاملي الحقائب يرى محللون سياسيون أن الغالبية العظمى من الوجوه التي تصدرت المشهد كوزراء وسفراء حاليين، لم يكونوا من صناع القرار في عهد البشير، بل كانوا “كوادر ظل” ومساعدين إداريين للقيادات العليا.
​و يبرز في هذا السياق مصطلح “فساد الجهل كخطر يوازي الفساد المالي ، حيث تفتقر هذه الكوادر للخبرة الإدارية العميقة والقدرة على المناورة السياسية، مما حول مؤسسات الدولة إلى ساحات للتخبط واتخاذ قرارات عشوائية تفتقر للرؤية الاستراتيجية.
و ​يحذر خبراء في الشأن السوداني من أن عودة تنظيم الإخوان المسلمين للمشهد تحت غطاء شرعية الأمر الواقع في بورتسودان تحمل ثلاثة أبعاد خطيرة وتنظر القوى الإقليمية والدولية بريبة شديدة لتحركات عناصر النظام السابق، مما يهدد بتجميد أي جهود لرفع العقوبات أو شمول السودان في خطط إعادة الإعمار، بل قد يؤدي لفرض عقوبات جديدة تستهدف تلك العناصر.
وتتصاعد الاتهامات لـ “الحركة الإسلامية” بالدفع نحو استمرار العمليات العسكرية ورفض المسارات التفاوضية، رغبةً منها في استعادة السيطرة الكاملة على السلطة وقطع الطريق أمام أي تحول ديمقراطي مستقبلي. ​كما إن الخطاب الإعلامي والسياسي لهذه المجموعات يعتمد على الاستقطاب الحاد، وهو ما يهدد بتحويل الصراع من صراع سياسي حول إدارة الدولة إلى صراع أيديولوجي وجهوي يهدد وحدة التراب السوداني.
و ​وسط هذا المشهد، تسيطر حالة من الإحباط الشعبي حيال أداء حكومة بورتسودان. وبينما يقر البعض بأن نظام الإنقاذ السابق امتلك أدوات الدولة، إلا أن المقارنة الحالية تضع السودانيين أمام خيارات صعبة، و تكمن ​المفارقة المؤلمة في أن حكومة البرهان لم تفشل فقط في توفير الأمن، بل وفرت بيئة خصبة لعودة عناصر أثبتت التجربة التاريخية فشلها في إدارة التنوع السوداني.
و ​تجمع التقديرات السياسية على أن مراهنة سلطة الأمر الواقع في بورتسودان على كوادر النظام السابق لا تمثل طوق نجاة، بل قد تكون المسمار الأخير في نعش استقرار الدولة. إن الفشل الإداري لمن يوصفون بـ حاملي الحقائب هو معول هدم صامت لا يقل خطورة عن آلات الحرب.
​و يجمع المراقبون على أن المخرج الوحيد يكمن في تشكيل “حكومة كفاءات وطنية مستقلة (تكنوقراط)”، تبتعد عن المحاصصات الحزبية والأيديولوجية، وتعمل على إنهاء التغلغل الذي يعيق بناء دولة المؤسسات، وتضع مصلحة السودان فوق طموحات التنظيمات العابرة للحدود.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.