علي عثمان طه (و. 1947)، هو النائب الأول لرئيس السودان منذ 9 يونيو 2011. كان عثمان طه قد شغل منصب وزير خارجية السودان لمدة ثلاث سنوات ,ثم أصبح أول نائب رئيس سوداني وعضو في المؤتمر الوطني. ينحدر علي عثمان طه، ولد على عثمان طه من أبوين ينتميان إلى قبيلة “الشايقية” في حي شعبي من تلك الأحياء التي كان يقيم فيها الوافدون من “الشايقية” في الخرطوم. جاء والده من قرية ” الكرفاب” في منطقة “الشايقية” الى حي ” السجانة” الذي كان يقع وقتها في أطراف العاصمة واصبح الآن بعد التمدد العمراني للخرطوم في قلبها. ثم انتقلت الأسرة الى منازل ملحقة بحديقة الحيوانات على شاطئ النيل ، حيث عمل والد على عثمان حارساً في الحديقة. هناك نشأ وتربى على عثمان والتحق بمدرسة قريبة من ” حديقة الحيوانات “.
درس علي عثمان طه الخلوة (تعليم ديني) والمرحلة الوسطى بالخرطوم، والثانوي بالخرطوم القديمة، وهي نفس المدرسة التي التحق بها الرئيس عمر البشير. ثم التحق بكلية القانون جامعة الخرطوم وكان له نشاط سياسي وثقافي بارز في الجامعة وتخرج عام 1971. [2]
الحياة العملية
عمل قاضياً في الهيئة القضائية من عام 1972 ـ 1976. ثم ترك القضاء بعد ان اصدر حكماً بالاعدام وأدى فريضة الحج بعد ذلك الحكم .ثم تحول الى المحاماة. شارك في احداث شعبان 1973 التي اوشكت على الاطاحة بالنظام المايوي. ولدى استرداد الديمقراطية في ابريل 1985 وانعقاد المؤتمر العام للجبهة القومية الاسلامية اختير امينا عاما للجبهة.
وانتخب عضواً في البرلمان عن دائرة حي الصحافة بالخرطوم واصبح زعيما للمعارضة من عام 1986 الى عام 1989.
بعد وقوع انقلاب 30 يونيو 1989، ظل مختفيا لمتابعة بيانات العميد عمر حسن البشير، واستقراء التطورات وكان وراء اقدام اتخاذ طلاب جامعة الخرطوم على لقاء قائد الانقلاب الجديد واعلان مساندته.
حمل حقيبة الدبلوماسية السودانية في فبراير 1995 في فترة صعبة وحافلة بالمواجهات الاقليمية والدولية وقد اتسم اداؤه باليقظة والمتابعة والمبادرة وباللغة الموضوعية الرصينة.
في فبراير 1998 في اعقاب رحيل اللواء الزبير محمد صالح، اختاره الرئيس عمر البشير نائبا اول.
رجل الظل
منذ صعوده كأحد العقول المدبرة لانقلاب الثلاثين من يونيو 1989، ظل علي عثمان محمد طه يمثل وجهًا أساسيًا لسلطة الحركة الإسلامية في السودان. لم يكن مجرد نائب أول للرئيس المخلوع عمر البشير، بل كان مهندس المشروع السياسي والاقتصادي للإسلاميين، وصاحب اليد الطولى في كثير من الملفات السرية، بما في ذلك تأسيس جهاز الأمن الشعبي وإدارة المال السياسي. غير أن السنوات اللاحقة، خصوصًا بعد سقوط النظام، كشفت عن حجم الفساد الذي ارتبط باسمه وعائلته، والذي بلغ مليارات الدولارات وعقارات مترامية الأطراف.
خلال الفترة الانتقالية التي أعقبت ثورة ديسمبر 2019، أظهرت نتائج لجنة التحقيق المستقلة التي شكلتها السلطة العدلية أدلة واضحة على تورّط علي عثمان محمد طه في جريمة تصفية ضباط حركة رمضان (أبريل 1990). هذه الحادثة التي عُرفت بإعدام عدد من الضباط دون محاكمات عادلة ظلت لعقود من أبرز الملفات السوداء في سجل النظام السابق.
كما تشير الشواهد إلى أن علي عثمان كان أحد العقول المدبرة لتأسيس وإدارة ما عُرف بـ بيوت الأشباح، وهي مراكز سرّية للتعذيب والإخفاء القسري استُخدمت لإرهاب المعارضين.
إلى جانب ذلك، ارتبط اسمه مباشرة بمحاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في أديس أبابا عام 1995، وهي العملية التي تسببت في عزلة إقليمية ودولية للسودان لسنوات طويلة.
ولم يقف دوره عند ذلك، إذ عمل على تشكيل ما سُمّي بـ كتائب الظل التي لعبت دورًا رئيسيًا في قمع الثوار، وكان لها دور مباشر في مجزرة فض اعتصام القيادة العامة في 3 يونيو 2019، وهي الجريمة التي هزّت الضمير السوداني وأدت إلى سقوط مئات الشهداء والجرحى.
استرداد منزل المنشية: فضيحة القصر المموه
في يونيو 2021، نفذت لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو قرارًا باسترداد المنزل الضخم الكائن في العقار رقم 135 الحارة الأولى – الجريف غرب (المنشية)، والذي كان يسكنه علي عثمان.
رغم ادعاءات أسرته بأن المنزل من حر ماله، أثبتت الوثائق الرسمية أن المبنى تم تشييده بواسطة شركة صينية بتكلفة تجاوزت ستة ملايين دولار أمريكي، دُفعت من أموال حكومة السودان عبر جهاز الأمن والمخابرات الوطني. أي أن المنزل لم يكن سوى ثمرة مباشرة لاستغلال موارد الدولة لصالح شخصية نافذة.
ورغم منح أسرته مهلة لإخلاء المنزل، رفض ابنه “محمد علي عثمان” التنفيذ، مما اضطر الشرطة لإلقاء القبض عليه بموجب البلاغ رقم (90). هذا الإجراء عكس إصرار لجنة التفكيك على فرض القانون، لكنه في الوقت ذاته كشف عن عقلية التمكين التي ترى في أملاك الدولة حقًا خاصًا.
أملاك بمساحات شاسعة في الباقير
فضيحة المنشية لم تكن سوى رأس جبل الجليد. فقد امتلك علي عثمان وعائلته مساحات زراعية هائلة في منطقة الجدايد بالباقير:
• القطعة رقم (242) بمساحة 28.496 فدان.
• القطعة رقم (245) بمساحة 20.610 فدان.
• القطعة رقم (248) بمساحة 14.533 فدان.
كما سجل باسم زوجته فاطمة الأمين عبد الله جادالله قطع أخرى بلغت مساحتها 14.6 فدان و 14.204 فدان. المجموع الكلي للأراضي بلغ نحو 92.376 فدانًا، تم الاستيلاء عليها عبر شركة تأهيل للاستثمار المحدودة، وهي واجهة مالية أسستها الحركة الإسلامية عام 2005 وكانت تدار عبر قيادات الأمن الشعبي (محمد محمد شريف وأحمد الشايقي).
المال السياسي وشبكات التمكين
لجنة التفكيك كشفت أن شركة “تأهيل” لم تكن سوى غطاء لتبييض الأموال وإدارة الأصول المنهوبة. الشركة كانت تملك معظم أسهمها عبر “هولبورن” التابعة للأمن الشعبي، بإشراف مباشر من مسؤول المال الهارب محمد محمد شريف، الذي كان يدير الحساب التجميعي لأموال الحركة الإسلامية.
هذه الشبكة المالية جسدت كيف تحولت أجهزة الدولة إلى أدوات تمويل لمشروع الإسلاميين، حيث تم تسجيل ممتلكات ضخمة باسم أفراد وأسر نافذين، بينما الشعب يعاني من الفقر وتدهور الخدمات.
مقاومة القرارات: منازعة العدالة باسم السكن
حين صدر قرار الاسترداد في يوليو 2020، حاولت أسرة علي عثمان التلاعب على الرأي العام بالادعاء أن منزل المنشية “سكن للأسرة”. لكن الحقيقة أن الأسرة لم تسكن به منذ تشييده، إذ كان المنزل مستأجرًا من قبل حكومة النظام البائد حتى سقوطه، وكان يقيم فيه قيادي آخر هو فيصل حسن إبراهيم، مساعد البشير.
محاولة الأسرة التمسك بالمنزل تكشف مدى استهانة رموز النظام بالقانون، ومحاولتهم تصوير قرارات الاسترداد كاستهداف شخصي، في حين أن الوقائع أوضحت بما لا يدع مجالاً للشك أن الأموال العامة نُهبت لصالحهم.
رمز لفساد الدولة العميقة
علي عثمان محمد طه لم يكن مجرد سياسي؛ بل كان رجل الظل الذي أدار شبكة معقدة من الأمن والمال والتمكين. استغلاله لأجهزة الدولة لتشييد قصور، وامتلاك آلاف الأفدنة عبر واجهات استثمارية وهمية، يبرزان كيف تحولت الحركة الإسلامية إلى مافيا سياسية اقتصادية.
قرارات لجنة التفكيك باسترداد هذه الممتلكات لم تكن سوى بداية لتعرية مشروع استغل الدين والشعارات لتبرير سرقة موارد البلاد، وتحويلها إلى جيوب قادة النظام.
فساد علي عثمان محمد طه ليس حالة فردية، بل هو نموذج لبنية كاملة من التمكين الإخواني التي سيطرت على الدولة السودانية لثلاثة عقود. القصور التي بُنيت بأموال الشعب، والأراضي الزراعية التي نُهبت باسم الاستثمار، والشركات الوهمية التي غسلت الأموال، كلها شواهد على منظومة استبداد وفساد ما تزال تحاول النجاة من المحاسبة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.