سوداتل: كيف اختُطفت الدولة عبر الاتصالات؟

تقرير: عين الحقيقة

لم تكن شركة «سوداتل» منذ نشأتها في تسعينيات القرن الماضي مجرد مشروع اتصالات وطني، بل سرعان ما تحولت إلى واحدة من أبرز أدوات التمكين الاقتصادي والسياسي داخل منظومة الإسلاميين في السودان. فقد أُنشئت الشركة عام 1993 بتمويل من وزارة المالية، وكان يُفترض أن تعمل كشركة عامة تخضع للرقابة والمساءلة، إلا أن مسارها العملي اتجه نحو الاحتكار والاستفادة من نفوذ الدولة، حيث مُنحت امتيازات واسعة، من بينها الحصول على رخصة الهاتف المحمول دون مقابل، ما وضعها في موقع مهيمن منذ البداية.

إلى ذلك، تفيد مصادر «عين الحقيقة» بأن هذا الوضع الاحتكاري لم يكن سوى مدخل لإدخال الشركة في شبكة معقدة من المصالح المرتبطة بالأجهزة الأمنية والحزبية، حيث جرى توظيف عائداتها لدعم أنشطة خارج الإطار الرسمي، خاصة عبر ما عُرف بـ«الأمن الشعبي».

ومع مرور الوقت، أصبحت الإدارة الفعلية للشركة في يد شخصيات ذات خلفيات أمنية، ما أدى إلى تراجع الشفافية وغياب دور المساهمين الحقيقيين، وتحول القرارات الاستراتيجية إلى أدوات لخدمة مراكز نفوذ بعينها.

ويبرز في هذا السياق تعيين قيادات تنفيذية ذات صلة مباشرة بهذه الأجهزة، ما عزز الطابع السياسي لإدارة الشركة.

وفي ملف الاستثمارات الخارجية، تشير مصادر «عين الحقيقة» إلى أن شركة «إكسبريسو القابضة»، الذراع الاستثماري الخارجي لسوداتل في عدة دول أفريقية، تحولت إلى محور لعمليات مالية مثيرة للجدل.

ففي عام 2010، جرى بيع 25% من أسهم «إكسبريسو» لشركة تُدعى «لاري كوم» مقابل 12 مليون دولار، وهو مبلغ لا يتناسب مع حجم الاستثمارات الفعلية التي ضختها سوداتل في تلك الأسواق. وتكشف التحقيقات أن «لاري كوم» مملوكة بشكل مباشر لشخصيات مرتبطة بإدارة سوداتل نفسها، في مقدمتهم رئيس مجلس الإدارة، إلى جانب رجل أعمال مقرب من النظام السابق، ما يمثل حالة واضحة من تضارب المصالح، حيث باعت شركة عامة جزءًا من أصولها لشركة خاصة يملكها من يديرها.

وتلفت المصادر إلى أن تسجيل «لاري كوم» في جزر العذراء البريطانية يعكس نمطًا متكررًا في استخدام الملاذات الضريبية لإخفاء الملكية الحقيقية وتدوير الأموال بعيدًا عن الرقابة.

كما أن تقييم الصفقة يثير تساؤلات كبيرة، خاصة عند مقارنته بحجم الاستثمارات التي قامت بها سوداتل، مثل صفقة الاستحواذ على 70% من شركة «إنترسيلولار» في نيجيريا مقابل 60 مليون دولار، ما يجعل بيع ربع «إكسبريسو» بهذا السعر المنخفض أمرًا غير مبرر اقتصاديًا.

وفي ضوء ذلك، تُظهر تطورات ملف نيجيريا، وفق مصادر «عين الحقيقة»، كيف فقدت سوداتل السيطرة على استثماراتها خلال فترة قصيرة، بعد بيع حصص متتالية من الشركة لصالح «لاري كوم»، الأمر الذي أدى إلى تآكل ملكيتها وارتفاع خسائرها المالية بشكل كبير.

هذه العمليات، التي جرت عبر هياكل مالية معقدة، أثارت غضب المساهمين، الذين تساءلوا علنًا عن هوية المستفيدين الحقيقيين، في وقت وُصفت فيه بعض الأوساط ما حدث بأنه من أكبر وقائع الفساد المرتبطة بالاستثمار الخارجي.

ولا تقف هذه الممارسات عند حدود «إكسبريسو» ونيجيريا، إذ تشير مصادر «عين الحقيقة» إلى أن شبكة الشركات المرتبطة برجال أعمال نافذين، مثل «الزوايا» وامتداداتها، لعبت دورًا في إعادة توزيع الأصول والامتيازات لصالح دوائر محددة.

كما يبرز ملف «موبيتيل» كنموذج آخر، حيث تم بيعها لشركة «زين» الكويتية بقيمة وُصفت بأنها أقل بكثير من قيمتها الحقيقية، رغم تحقيقها أرباحًا كبيرة، ما أدى إلى انتقال أصول استراتيجية من يد الدولة إلى جهات خاصة مرتبطة بالنظام.

وبعد سقوط نظام الرئيس المعزول عمر البشير في أبريل 2019، كان من المتوقع فتح هذه الملفات على نطاق واسع، إلا أن مصادر «عين الحقيقة» تؤكد أن الشركة خضعت لحماية من قبل جهات نافذة داخل السلطة الجديدة، ما أعاق مسار المساءلة.

ورغم تحركات لجنة إزالة التمكين لتجميد بعض الأصول المرتبطة بهذه الشبكات، والإجراءات القانونية التي طالت بعض الشخصيات، بما في ذلك صدور أحكام قضائية في قضايا كسب غير مشروع وغسل أموال، فإن جزءًا كبيرًا من الشبكة المالية ظل خارج نطاق الكشف الكامل، خاصة في ظل ارتباطه بشركات مسجلة في الخارج.

في الواقع، تعكس تجربة «سوداتل» نموذجًا متكاملًا لكيفية تحويل مؤسسة عامة إلى أداة لخدمة مصالح سياسية واقتصادية ضيقة، عبر استخدام النفوذ، وتوظيف الشركات الواجهة، والاستفادة من الملاذات الضريبية.

وهي تجربة لا تقتصر آثارها على الخسائر المالية، بل تمتد إلى تقويض الثقة في مؤسسات الدولة وإضعاف الاقتصاد الوطني، ما يجعلها مثالًا بارزًا على تداخل السلطة والمال في سياق غياب الشفافية والمساءلة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.