مؤتمر برلين: كيف عجزت المقاربات الدولية عن فهم التعقيدات المحلية؟

دكتور الوليد آدم مادبو

في لحظةٍ سودانية مثقلةٍ بالخراب، حيث لم يعد الدمار خبرًا عابرًا بل صار بنيةً يومية للحياة، ينعقد مؤتمر برلين بوصفه محاولةً جديدة لإعادة ترتيب الفوضى، أو على الأقل الحدّ من انفلاتها. ومن الإنصاف، ابتداءً، الإقرار بأن أي جهد—محليًا كان أو إقليميًا أو دوليًا—يستهدف *تخفيف وطأة الكارثة الإنسانية*، هو جهدٌ يستحق التقدير، لا سيما في سياقٍ بلغ فيه العجز حدّ الاعتياد.

غير أن تقدير الجهد لا يعفي من مساءلة المنهج، بل ربما يفرضها.

تُجمع أدبيات العلوم السياسية، خاصة في حقل دراسات النزاعات، على حقيقةٍ تبدو بديهية لكنها كثيرًا ما تُغفل في الممارسة: لا يمكن إيقاف حربٍ دون إشراك الفاعلين الحقيقيين فيها—أولئك الذين يحملون السلاح، ويمتلكون القدرة الفعلية على استمرار القتال أو وقفه. فهؤلاء ليسوا عناصر طارئة على المشهد، بل هم جزءٌ من بنيته العميقة، بل وأصحاب مصلحة مباشرة في استدامته؛ إذ تمنحهم الحرب نفوذًا سياسيًا، واقتصادًا موازيًا، وأحيانًا غطاءً للإفلات من المساءلة.

لقد أثبتت تجارب عديدة، في أفريقيا وأمريكا اللاتينية، أن تجاهل هذه الحقيقة لا ينتج سلامًا، بل يؤسس لهدنةٍ مؤجلة. فالاتفاقات التي لا تُشرك من يملكون “قدرة التعطيل” إنما تؤجل الصراع ولا تنهيه، وتبقى رهينة أول اختبارٍ جدي لموازين القوى على الأرض.

من الناحية النظرية، يُفترض أن المجتمع المدني يمكن أن يلعب دور الضامن لاستدامة أي تسوية. غير أن هذا الافتراض، في الحالة السودانية، يصطدم بمأزقٍ بنيوي عميق*. فثلاثة عقود من حكم الإنقاذ الشمولي لم تُضعف المجتمع المدني فحسب، بل أعادت تشكيله على أسس الولاء والاختراق. ثم جاءت الحرب لتقضي على ما تبقى من تماسكه، فصار فضاءً هشًا، مثقلًا بانقساماتٍ جهوية وعرقية، على نحوٍ يناقض تعريفه النظري بوصفه مجالًا عابرًا لهذه الانقسامات لا انعكاسًا لها.

هنا تنكشف إشكالية أعمق، تتصل بطبيعة البنية الاجتماعية السودانية ذاتها. فخلافًا للمجتمعات التي انتقلت، عبر مسارات تاريخية طويلة، من الانتماءات الأولية إلى المدنية إلى العقلانية المؤسسية، لا تزال القبيلة في السودان تمثل وحدة الانتماء الأكثر رسوخًا. أما الفئات الحديثة—من شباب ونساء ونخب مهنية—فهي، رغم حيويتها، لم تتحول بعد إلى بديلٍ بنيوي قادر على تجاوز هذه المرجعية، بل تظل متداخلةً معها، ومشروطةً بها في كثير من الأحيان.

إن القفز فوق هذه الحقيقة، أو محاولة استبدالها بنماذج مستوردة جاهزة، لا يؤدي إلا إلى إنتاج مقارباتٍ معزولة عن الواقع. وهنا يبرز سؤالٌ مقلق: هل عجزت المقاربات الدولية فعلًا عن فهم هذه التعقيدات، أم أنها اختارت تجاهلها، مفضلةً التعامل مع فاعلين أكثر قابلية للتشكيل، وإن كانوا أقل تمثيلًا وتجذرًا في المجتمع؟

بهذا المعنى، لم تعد بعض المؤتمرات الدولية تُقرأ بوصفها منصاتٍ للحل بقدر ما تُفهم، في الوعي الشعبي، كساحات تنافسٍ بين مجموعاتٍ تسعى لتجييرها لصالحها. وهو ما يفسر تصاعد السخط، حيث لم يعد كثيرون يرون في هذه الفاعليات سوى منصاتٍ تتعايش مع الأزمة، إن لم تكن تستثمر فيها.

ختامًا، إن أي مخرجٍ واقعي للأزمة لا بد أن ينطلق من معادلةٍ معقدة لكنها ضرورية: *إشراك الفاعلين الحقيقيين في الصراع، لا بوصفهم شركاء دائمين في الحكم، بل باعتبارهم أطرافًا لا يمكن تجاوزها في إنهاء الحرب*؛ وفي الوقت ذاته، إخضاع الجميع—دون انتقائية—لمعيارٍ واضح للمساءلة عن الجرائم المرتكبة بحق الشعب السوداني. وعلى هذه القاعدة وحدها يمكن بناء تحالفٍ جديد، يجمع بين عناصر عسكرية وطنية ومدنية كفؤة، لإدارة مرحلة انتقالية تُعلي من أولوية الاستقرار، تمهيدًا لتحولٍ مدني ديمقراطي تدريجي.

أما الرهان على حلولٍ تتجاهل موازين القوى، أو تستبدل الفاعلين الحقيقيين بواجهاتٍ ضعيفة، فليس إلا إعادة تدويرٍ للأزمة في صورةٍ جديدة. وفي ضوء ذلك، لا يعود السؤال: كيف نوقف الحرب؟ بل: كيف يمكن بناء مقاربة تفهم الواقع قبل أن تحاول تغييره؟

‏April 14, 2026

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.