في مشهد يبدو أقرب إلى ترتيب إداري عادي، اتخذ عبد الفتاح البرهان قراراً بإحالة عدد من الضباط إلى التقاعد، بعضهم يُنسب إلى تيار الحركة الإسلامية في السودان. القراءة المتأنية لهذا الإجراء تكشف مستوى أعمق حيث يتحول القرار إلى مسرح إصلاحي يعيد تشكيل الصورة دون أن يلامس جوهر البنية.
الخطوة توحي باستجابة لضغوط داخلية وخارجية تطالب بتفكيك شبكات النفوذ داخل المؤسسة العسكرية. الوقائع المرافقة تطرح سؤالاً مختلفاً، هل يجري تفكيك حقيقي أم إعادة توزيع للأدوار. المؤشرات تشير إلى أن بعض الذين أُحيلوا إلى التقاعد انتقلوا إلى مواقع أخرى تحت أغطية دبلوماسية أو تجارية بتكليف تنظيمي من الحركة الاسلامية، بما يحفظ حضورهم داخل شبكة التأثير.
في المقابل، يظهر مسار موازٍ يقوم على ترقية عناصر معروفة بانتمائها المبكر للحركة الإسلامية، بعضهم تشكل وعيه التنظيمي منذ المراحل الدراسية الأولى. هنا تتجلى استمرارية النواة الصلبة، حيث يجري تدوير البنية داخل ذاتها دون تغيير جذري.
هذا التوازي بين الإبعاد الشكلي والتمكين العملي يعكس نمط إدارة يقوم على الإخفاء دون الإلغاء. المؤسسة تعيد تغليف نفوذها القديم بما يتناسب مع لحظة الضغط الدولي. القرار يعمل في مستويين، خطاب موجه إلى الخارج، وتأمين داخلي يحافظ على التوازنات القائمة.
الحل يتطلب تفكيكاً حقيقياً للبنية التي تسمح بازدواج الولاء داخل المؤسسة العسكرية. المطلوب شفافية مؤسسية، ومعايير تقوم على الكفاءة
الأكثر دلالة أن هذا المسار يتقاطع مع حرص واضح على حماية قيادات بارزة في الحركة الإسلامية، على رأسهم عمر البشير ، علي كرتي، اسامة عبد الله، عبد الرحيم محمد حسين وأحمد هارون، رغم أن بعضهم مطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية. هذا السلوك يعكس توازن حماية داخل شبكة النفوذ أكثر من كونه مجرد موقف سياسي عابر.
ما يجري لا يشير إلى تفكيك بنية الإسلام السياسي داخل الجيش، بل إلى إعادة تموضع تحافظ على الاستمرارية. المؤسسة العسكرية تتحرك كحامل لذاكرة سياسية ممتدة، تسعى إلى التكيف مع الضغوط دون أن تفقد بنيتها العميقة.
هذا النهج يضعف الثقة في أي مسار إصلاحي معلن، ويُبقي على التوتر داخل المؤسسة، ويعمق الفجوة بين الخطاب والواقع. كما يعطل إمكانية بناء جيش وطني مهني منفصل عن الانتماءات الأيديولوجية.
الحل يتطلب تفكيكاً حقيقياً للبنية التي تسمح بازدواج الولاء داخل المؤسسة العسكرية. المطلوب شفافية مؤسسية، ومعايير تقوم على الكفاءة، وآلية عدالة انتقالية تضمن المحاسبة دون توظيف سياسي.
المشهد يعكس صراعاً صامتاً بين منطق الدولة ومنطق التنظيم. في هذه المنطقة الرمادية يتحدد مستقبل السودان، اتجاه نحو جيش وطني مهني، أو استمرار هيمنة الظل التنظيمي داخل جسد الدولة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.