شيزوفرينيا “المنافي الناعمة”: حين يرفض “سودانيو أوروبا” السلام لأهلهم في الداخل

​عماد ابكر جدو

​من أصعب الظواهر التي تستعصي على الفهم والتحليل، هي تلك الحالة من “الاستلاب الذهني” التي يعيشها طيف من السودانيين في دول المهجر، وتحديداً أولئك الذين يمنحون ولاءً أعمى للحركة الإسلامية. هذا الولاء الذي يتجاوز حدود المنطق السياسي ليتحول إلى حالة من الهيجان العاطفي والتشجيع “المغيب” الذي لا يستند إلى خطة أو رؤية، بل إلى رغبة في استمرار الوضع الراهن مهما كان الثمن المدفوع من دماء البسطاء.

​برلين.. مسيرات “تجهيل” السلام

​أثار المشهد الأخير في العاصمة الألمانية برلين دهشة المتابعين؛ حيث تداعى سودانيون من مختلف أصقاع القارة العجوز —من المملكة المتحدة، هولندا، وفرنسا— ليس للمطالبة بوقف آلة القتل، بل للتنديد بمؤتمر يسعى في جوهره لإيجاد مسارات لإيصال المساعدات الإنسانية ووضع رؤية سياسية تنهي الحرب.
​هؤلاء الذين استغلوا مساحات الحرية وحق التعبير التي توفرها لهم الدول الأوروبية، خرجوا في تظاهرات تضج بالحماس المنفلت، وكأنهم في “مباراة تشجيعية” وليس في موقف يقرر مصير شعب يباد. وهنا تكمن المفارقة الصارخة: كيف لإنسان يتنفس “أكسجين الديمقراطية” في الغرب أن يسعى لخنق بصيص الأمل في وطنه؟

​ازدواجية المعايير “الوطنية” حكرٌ علينا!

​المثير للحيرة والشفقة معاً، هو أن هذه المجموعات التي تنصب نفسها متحدثة باسم السودانيين، هي أول من يشهر سلاح “التخوين” في وجه أي صوت مخالف. فبمجرد أن يطرح طرف آخر رؤية مغايرة، تصدر صكوك “العمالة والارتزاق” جاهزة ومعلبة.
​هذا الحقد السياسي والأنانية المفرطة تجعلنا نتساءل: هل وصل الحد بالإنسان أن يفضل “اللا دولة” لمجرد نكاية سياسية؟ إن الحالة التي يمر بها هؤلاء تتجاوز مجرد الاختلاف السياسي؛ هي أقرب لعلة نفسية واجتماعية تتطلب من علماء النفس والاجتماع وقفة عميقة للدراسة والتحليل، فالدعاء بالشفاء وحده لم يعد يكفي لترميم هذه العقول.

​جحود الامتيازات.. أمان في الخارج وجحيم في الداخل

​متعلمون نالوا تعليمهم من عرق الشعب السوداني وكدحه.

​مجنسون: يحملون جوازات سفر أوروبية تضمن لهم ولأسرهم العيش الكريم، والحماية القانونية، والضمان الاجتماعي.

​آمنون: يعيش أبناؤهم في أرقى المدارس، بينما يرفضون لأهلهم في الداخل —وفي معسكرات النزوح واللجوء— مجرد فرصة لاستعادة الاستقرار.

​”كيف لإنسان يتمتع بكل امتيازات الرفاهية والأمان في أوروبا، أن يمارس (الاستعلاء النضالي) ويحرض على استمرار الموت في بلد يرفض هو نفسه العيش فيه الآن؟” ​إنها حالة من الفصام الأخلاقي؛ حيث يرفضون لأهلهم في الداخل ما يقبلونه لأنفسهم في الخارج. فبينما ينام “مناضل الكيبورد” في باريس أو لندن مطمئناً، يطالب بـ “الثبات” و”الاستمرار” لشعب يقتات من فتات الأرض ويفر من جحيم الرصاص.
​خلاصة القول.. إن الوطن لا يحتاج إلى “مشجعين” في مدرجات الخارج، بل يحتاج إلى ضمائر حية تدرك أن قيمة الإنسان السوداني أغلى من أي أيديولوجيا، وأن الاستقرار ليس “خيانة” بل هو المطلب الأخلاقي الأول لمن يزعم حب السودان.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.