ثمة خيط واحد يربط مشهد السودان الراهن من أوله إلى آخره، وهو سؤال لا يزال يطارد البرهان في كل اجتماع ولقاء: لحساب من يحكم؟
بدأت القصة في يناير من العام الجاري حين كشفت وكالة رويترز أن صفقة تسليح ضخمة بين باكستان والجيش السوداني كانت قد بلغت مراحلها النهائية، تشمل أسلحة ومقاتلات بقيمة مليار ونصف مليار دولار، وسطت فيها الرياض دون أن يُفصح حينها عن دورها في التمويل. كانت الصفقة تمثل رهاناً كبيراً للجيش السوداني المنهك، ولإسلام آباد التي تطمح إلى توسيع حضورها في أسواق التسليح الأفريقية عقب نجاحات صناعاتها العسكرية في مواجهاتها مع الهند. غير أن ما بدا وكأنه أمر محسوم انقلب في أبريل رأساً على عقب.
في اجتماع عُقد في مارس الماضي بين قادة الجيش السوداني والسلطات السعودية في الرياض، أُسدل الستار على التمويل السعودي للصفقة كلياً وتبعه طلب مباشر من الرياض لإسلام آباد بإنهاء الاتفاق. ولم يقف الأمر عند حدود السودان، إذ باتت صفقة مماثلة بقيمة أربعة مليارات دولار موجهة للجيش الوطني الليبي هي الأخرى في مهب الريح، في سياق مراجعة سعودية شاملة للاستراتيجية الخارجية في المنطقة
والمفارقة اللافتة أن محمد بن سلمان استقبل البرهان في الرياض في اليوم ذاته الذي أُعلن فيه عن تجميد الصفقة-بمعنى آخر، الرياض لا تنسحب من السودان، لكنها تعيد تعريف المعركة: من سلاح وطائرات إلى نفوذ اقتصادي ومشاريع تنمية. والرسالة وراء ذلك أشد وضوحاً مما تبدو عليه، فكلمة السر في كل هذه التحولات اسمها إيران.
منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، استعاد البرهان العلاقات مع طهران في أكتوبر من العام ذاته، في عودة مدروسة للسلاح الإيراني بعد قطيعة امتدت سنوات. والسبب الرئيسي، وفق مصادر دبلوماسية سودانية، كان العزلة التي يعاني منها السودان ورغبته في الحصول على أسلحة نوعية ولا سيما الطائرات المسيّرة.)
هذا التقارب مع طهران أشعل فتيل تعقيد مزدوج؛ داخلي وخارجي في آنٍ معاً. فمن جهة ظهرت مقاطع مصورة تُري مقاتلين سودانيين من الحركة الإسلامية يُعلنون استعدادهم للقتال إلى جانب إيران في حال اندلاع حرب برية مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، وهو ما أشعل جدلاً واسعاً داخل السودان وخارجه. [Sky Ne ورغم أن الجيش سارع إلى نفي أي علاقة رسمية له بهذه التصريحات، فإن تحليلات عديدة تشير إلى أن التيار الإسلامي يتمتع بنفوذ واسع داخل مراكز القرار في المؤسستين العسكرية والأمنية
وكان القيادي الإخواني السوداني الناجي مصطفى قد أكد صراحةً أن مصير الحرب في البلدين واحد، مشدداً على ضرورة نصرة إيران
وأعاد طرح السؤال الأكثر إحراجاً: أين تقف القيادة العسكرية من كل ذلك؟
ويرى ناشطون سودانيون أن هناك تنسيقاً بين طهران وجماعة الإخوان يتجلى في دعم فني وعسكري، ولا يستبعدون وجود صفقات تسليح بين الجانبين وتُشير تقارير إلى أن الجيش يحصل على الدعم العسكري الإيراني عبر شبكة وساطات يديرها التنظيم الإخواني في السودان
في خضم كل هذا، جاء قرار الإدارة الأمريكية في التاسع من مارس الماضي بتصنيف الحركة الإسلامية السودانية منظمةً إرهابية ليُعيد رسم خرائط التحالفات من جديد ويُربك حسابات الجميع. ويأتي هذا التصنيف في سياق يرتبط به كل من البرهان والعطا بالحركة الإسلامية السودانية
وبعد أيام قليلة من ذلك التصنيف، أصدر البرهان قراراً بتعيين الفريق أول ياسر العطا رئيساً لهيئة أركان القوات المسلحة. وكان العطا قد أثار جدلاً واسعاً بتهديده بضرب دول في المنطقة وبظهوره المتكرر إلى جانب عناصر إخوانية
دمج كتيبة البراء، وهي أحد الأجنحة المسلحة لتنظيم الإخوان المصنفة إرهابية، ضمن صفوف الجيش النظامي
وفي المقابل، احتفل الإسلاميون وأذرعهم الإعلامية وكتائبهم بهذا التعيين، مما يعزز قراءات تعتبره الخيار الأول للحركة الإسلامية، وورقتها الأخيرة لتحقيق العودة إلى الحكم، وهو ما يفتح الباب أمام سيناريو انقلاب محتمل ضد البرهان نفسه
وتبقى المعضلة الكبرى أن القوى التي مكّنت البرهان من الاستمرار في الحرب هي نفسها التي تجعله شريكاً غير مقبول للدول التي تملك القدرة على استقرار السودان
فكل خطوة يخطوها نحو الإسلاميين تُبعده عن الخليج والغرب، وكل تراجع عن دعمهم يُضعف جيشه في الميدان ويهدد عرشه في بورتسودان. معادلة لا يبدو في الأفق حل سهل لها.
تشير المعطيات المتاحة إلى أن ما يجري في بورتسودان يتجاوز مجرد غياب فردي معزول، إذ تتقاطع فيه خيوط أزمة مركّبة تعصف بمنظومة الحكم العسكري في عاصمة الحرب المؤقتة. فالاختفاء المُثار، وفق هذه القراءة، لا يحمل في طياته دلالة أمنية أو جنائية بقدر ما يعكس احتقاناً سياسياً يتصاعد في أروقة السلطة بعيداً عن الأضواء.
وفي سياق موازٍ، تشهد منصات التواصل الاجتماعي حملة مكثفة لترويج شائعات عن انضمام قوات “السافنا”، وهو ما تكشف القرائن أنه مناورة إعلامية مقصودة، هدفها تحويل دفّة النقاش العام وإشغال الرأي العام بمسارات بديلة بعيداً عن بؤرة التوتر الحقيقية.
وتكشف المشهد في عمقه أن ما بات يُعرف بـ”كارتل بورتسودان” يرزح تحت وطأة تصدّعات بنيوية متراكمة، باتت تُنذر بإمكانية انهياره الداخلي. وتعود جذور هذا التفكك إلى التصنيف الأمريكي الذي أطلق شرارة صراعات متشعبة بين أطراف تمثّل العمق الفعلي لهذه المنظومة؛ إذ اندلع أول هذه الصراعات بين جبريل إبراهيم وكمال إدريس، ويُحكى أن البرهان نفسه كان حاضراً في خلفية هذا التوتر. وفي الوقت ذاته يتصاعد الاحتكاك بين البرهان والتيار الإسلامي، ولا سيما جناح نافع وعطا ومن لفّ لفّهم. ولا يقلّ عن ذلك حدةً التجاذب الذي يجمع كباشي وجنرالات ذوي الخلفية النوبية في الجيش في مواجهة ياسر العطا.
وتُضاف إلى هذا المشهد المتشابك أزمة أحدث نسبياً، إذ يخوض مبارك أردول مواجهة مع التيار العنصري داخل الإسلاميين، وهي مواجهة تبدو في جوهرها امتداداً طبيعياً للصراع الكامن بين أبناء النوبة في المؤسسة العسكرية وتيار كرتي الإسلامي، ويُستمدّ وقوده من الإقصاء التدريجي للكباشي من مراكز التأثير الحقيقية داخل القيادة العسكرية.
ويبدو جلياً أن ما خرج إلى السطح حتى الآن ليس سوى مقدمة، وأن ملفات أثقل وأشد تعقيداً تتهيأ للانكشاف في الأسابيع والأشهر القادمة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.