هل تعرقل الحركة الإسلامية جهود إيقاف الحرب في السودان؟ بين رهانات العودة إلى السلطة وخطاب “حرب الكرامة”

تقرير: عين الحقيقة

مع دخول الحرب في السودان مراحل أكثر قسوة وتعقيداً، يتزايد الجدل حول القوى المستفيدة من استمرار النزاع، والأطراف التي ترى في الحرب فرصة لإعادة تشكيل المشهد السياسي بما يخدم مصالحها. وفي قلب هذا الجدل تبرز اتهامات متكررة للحركة الإسلامية السودانية، المرتبطة تاريخياً بنظام الرئيس المعزول عمر البشير، بأنها تعمل على إطالة أمد الحرب، وتوظيفها سياسياً تحت شعارات تعبئة مثل “حرب الكرامة”، أملاً في العودة إلى النفوذ الذي فقدته بعد ثورة ديسمبر. هذه الاتهامات لا تنطلق فقط من خصوم سياسيين، بل من قطاعات مدنية واسعة ترى أن الحرب تحولت من مواجهة عسكرية إلى معركة على مستقبل الدولة، تتداخل فيها الحسابات الأمنية مع طموحات قوى تسعى لاستعادة مواقعها السابقة.

مع اندلاع الحرب، برزت قراءة تعتبر أن بعض التيارات الإسلامية رأت في النزاع فرصة لإعادة الاعتبار لنفسها عبر تقديم خطاب يقوم على أن البلاد تواجه “مؤامرة” وأن الجيش يحتاج إلى اصطفاف سياسي وشعبي..

من السقوط إلى إعادة التموضع
بعد إسقاط نظام البشير في 2019، فقدت الحركة الإسلامية سيطرتها المباشرة على مؤسسات الدولة، وتعرضت شبكاتها السياسية والاقتصادية والأمنية لضغوط كبيرة. لكن كثيراً من المراقبين يرون أن نفوذها لم يختفِ بالكامل، بل أعاد التموضع داخل مؤسسات مختلفة، مستفيداً من هشاشة المرحلة الانتقالية والانقسامات المدنية والعسكرية. ومع اندلاع الحرب، برزت قراءة تعتبر أن بعض التيارات الإسلامية رأت في النزاع فرصة لإعادة الاعتبار لنفسها عبر تقديم خطاب يقوم على أن البلاد تواجه “مؤامرة” وأن الجيش يحتاج إلى اصطفاف سياسي وشعبي، بما يسمح بإعادة تدوير قوى كانت معزولة شعبياً.
خطاب “حرب الكرامة”.. التعبئة بالشعارات
من أبرز المصطلحات التي رافقت الحرب، وصفها بـ”حرب الكرامة”، وهو خطاب يلقى صدى عاطفياً لدى قطاعات من المجتمع، لأنه يستدعي مفاهيم السيادة والدفاع عن الوطن. غير أن منتقدين يرون أن هذا الخطاب استُخدم لتبسيط المشهد وإخفاء مسؤوليات أعمق تتعلق بانهيار الدولة وفشل النخب في إدارة الانتقال. ويقول باحثون سياسيون إن تحويل الحرب إلى معركة رمزية بين “الوطنية” و”الخيانة” يجعل أي دعوة لوقف إطلاق النار أو التفاوض تبدو وكأنها تنازل، وهو ما يصعّب جهود السلام ويطيل أمد الصراع.

الحروب تخلق شبكات مصالح مرتبطة بالعقود، والتهريب، والجبايات، والنفوذ المحلي، ما يجعل بعض القوى ترى في استمرارها مكسباً مادياً وسياسياً..

كيف يمكن تعطيل جهود السلام؟
يرى مراقبون أن تعطيل مسارات إيقاف الحرب لا يكون دائماً عبر قرارات معلنة، بل من خلال أدوات غير مباشرة، من بينها: رفض التفاوض أو التشكيك فيه عبر تصوير أي عملية سياسية على أنها استسلام أو مكافأة للطرف الآخر، ما يخلق ضغطاً شعبياً وإعلامياً ضد المبادرات السلمية. تعبئة الشارع بخطاب الخوف، من خلال الإيحاء بأن وقف الحرب يعني انهيار الدولة أو ضياع الهوية الوطنية، وهو خطاب يجد بيئة خصبة في أوقات الأزمات. التغلغل في مؤسسات القرار، إذا كانت للحركة الإسلامية شبكات نفوذ داخل مؤسسات الدولة، فقد تستخدمها للتأثير في اتجاهات القرار السياسي والعسكري. استثمار اقتصاد الحرب
الحروب تخلق شبكات مصالح مرتبطة بالعقود، والتهريب، والجبايات، والنفوذ المحلي، ما يجعل بعض القوى ترى في استمرارها مكسباً مادياً وسياسياً.
هل الهدف العودة إلى الحكم؟ السؤال المركزي في هذا الجدل هو: هل تسعى الحركة الإسلامية فعلاً إلى العودة للسلطة عبر بوابة الحرب؟
لا توجد إجابة واحدة قاطعة، لكن مؤشرات عديدة يستند إليها خصومها، منها تصاعد ظهور شخصيات محسوبة عليها في المجال العام، ومحاولات إعادة تقديم نفسها كقوة منظمة وقادرة على إدارة الدولة، إضافة إلى استثمار حالة الفراغ السياسي والانقسام المدني. ويعتقد محللون أن أي قوة فقدت السلطة تسعى بطبيعتها إلى العودة، لكن الخطورة تكمن حين يصبح استمرار الحرب وسيلة لتحسين شروط العودة، أو لإضعاف خصومها المدنيين.
الشعب السوداني بين الذاكرة والأزمة
يعاني السودانيون اليوم من أكبر أزمة إنسانية في تاريخهم الحديث: نزوح، جوع، انهيار خدمات، وتعطل حياة ملايين الأسر. وفي ظل هذه المأساة، تصبح الشعارات أقل قدرة على إخفاء الواقع. فقطاعات واسعة من الشعب ما زالت تتذكر سنوات الحكم السابق بما صاحبها من أزمات اقتصادية، وعزلة دولية، وقمع سياسي، ولذلك تنظر بريبة إلى أي محاولة لإعادة إنتاج الماضي تحت مسميات جديدة.
هل يمكن فصل الإسلاميين عن السلام؟
من الناحية السياسية، لا يمكن استبعاد أي تيار مجتمعي بالكامل من مستقبل السودان إذا التزم بالعمل السلمي والديمقراطي. لكن المشكلة، بحسب منتقدين، ليست في الوجود السياسي، بل في استخدام الحرب كأداة للعودة، أو عرقلة الانتقال المدني. فالسودان يحتاج إلى منافسة سياسية في صناديق الاقتراع، لا إلى صراع على ظهر الدبابات. الاتهامات الموجهة للحركة الإسلامية بتعطيل جهود السلام تعكس عمق أزمة الثقة في السودان، وتاريخاً مثقلاً بالصراعات بين السلطة والمجتمع. سواء صحت كل هذه الاتهامات أو بعضها، فإن المؤكد أن استمرار الحرب يخدم قوى عديدة أكثر مما يخدم المواطن العادي.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.