عادت معركة تفكيك نفوذ الإخوان في السودان إلى الواجهة، لكن هذه المرة بأدوات أكثر حدة واتساعًا، في محاولة لاقتلاع بنية تنظيمية ترسّخت لعقود داخل مؤسسات الدولة وخارجها، ولا يستهدف التحرك الجديد مجرد أفراد، بل شبكة معقدة من المصالح والتمويلات التي شكّلت العمود الفقري لمشروع الإخوان، وحوّلت الدولة إلى رهينة لولاءات تنظيمية عابرة للمؤسسات.
وقد أعلنت لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو استئناف نشاطها رسميًا، وفق ما نقلته تقارير صحفية، مؤكدة انتقالها إلى مرحلة جديدة تقوم على الملاحقة الدولية لشبكات التمويل والنفوذ المرتبطة بالحركة الإسلامية.
هذه العودة تأتي بعد تجميد اللجنة بقرار من عبد الفتاح البرهان في أكتوبر 2021، في خطوة اعتُبرت حينها محاولة لحماية ما تبقى من منظومة التمكين التي زرعها الإخوان داخل أجهزة الدولة.
رئيس اللجنة محمد الفكي سليمان كشف أن العمل لم يتوقف فعليًا، بل استمر في الظل عبر جمع المعلومات وبناء قاعدة بيانات وصفها بـ«الكنز الثمين»، تضم تفاصيل دقيقة عن عناصر التنظيم داخل المؤسسات وخارجها. هذا الأرشيف، وفق التصريحات، يمثل سلاحًا استراتيجيًا في مواجهة تنظيم اعتاد التخفي خلف واجهات قانونية وخيرية لإدارة نفوذه الحقيقي.
التحول الأبرز في هذه المرحلة يتمثل في نقل المعركة إلى خارج الحدود، حيث أكدت اللجنة شروعها في التنسيق مع أطراف دولية لتعقب الأموال التي هرّبها عناصر النظام السابق إلى الخارج. ويعكس هذا التحرك إدراكًا متزايدًا بأن الإخوان لا يعملون ضمن حدود وطنية ضيقة، بل عبر شبكة مالية وتنظيمية عابرة للدول، ما يجعل مواجهتهم تتطلب أدوات دولية موازية.
ولم تعد المسألة تتعلق بالكشف فقط، بل بالتجفيف المنهجي للموارد، إذ شدد مقرر اللجنة صلاح مناع على أن الأولوية باتت قطع خطوط الإمداد المالي، عبر استهداف الشركات والمنظمات التي تستخدم كواجهات لنشاط التنظيم. هذه الشبكات، التي طالما قدّمت نفسها ككيانات خيرية أو اقتصادية، تحوّلت عمليًا إلى أدوات لتمويل مشروع سياسي قائم على الاختراق والتغلغل.
في موازاة ذلك، كشفت اللجنة عن أرقام صادمة تعكس حجم التغلغل داخل الدولة، حيث أشار المتحدث باسمها وجدي صالح إلى وجود عشرات الدبلوماسيين المرتبطين بحزب المؤتمر الوطني في بعثات خارجية، عاد عدد كبير منهم إلى مواقعهم بعد 2021.
هذه المعطيات تفضح حجم الاختراق الذي حافظ عليه الإخوان حتى بعد سقوطهم، وتؤكد أن تفكيكهم لم يكن يومًا مهمة سهلة أو مكتملة.
اللافت أيضًا أن اللجنة لم تكتفِ بالتشخيص، بل وجهت اتهامات مباشرة للسلطة الحالية بإعادة إنتاج منظومة التمكين، معتبرة أن ما حدث بعد الانقلاب والحرب أتاح عودة الشبكات القديمة بغطاء جديد.
هذه الاتهامات تعكس صراعًا أعمق داخل الدولة بين مشروع يسعى لتفكيك إرث الإخوان، وآخر يُتهم بإعادة تدويره لخدمة توازنات سياسية وأمنية ضيقة.
وفي محاولة لتوسيع دائرة المواجهة، دعت اللجنة المجتمع والبنوك والمؤسسات الدولية إلى عدم التعامل مع أي كيانات مرتبطة بالحركة الإسلامية، محذرة من عواقب قانونية قد تصل إلى تجميد الأموال والحظر الدولي. هذا التصعيد يعكس توجهًا نحو عزل الإخوان ماليًا وتجفيف قدرتهم على إعادة التموضع.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.