في المشهد السوداني الراهن تتبدى التناقضات كأوضح ما يكون حيث تتشابك خيوط السياسة بالدماء، وتختفي المسافات بين “الخيانة” و”الوطنية” في غرف العمليات واللقاءات السرية.
وبينما يرزح المواطن السوداني تحت وطأة حرب وجودية يجد نفسه أمام ظاهرة سياسية مثيرة للجدل والدهشة “العودة لحضن الوطن”.
هذه العودة التي تُسوق إعلامياً كمبادرة “لم الشمل” كشفت عن شرخ أخلاقي وقانوني عميق؛ حيث يُفتح الباب على مصراعيه لمن أوقدوا نيران الحرب بينما يُزج بالمواطن البسيط في زنازين التخوين بتهمة “التعاون” مع هؤلاء العائدين أنفسهم.
أين أنا كمواطن سوداني من هذه الحرب؟
أنا كمواطن سوداني أجد نفسي اليوم “خارج النص” في رواية يكتبها الجنرالات والسياسيون بمداد من معاناة الشعب.
موقعي ليس في غرف التفاوض ولا في خرائط التقدم العسكري بل في:
خانات النزوح واللجوء: حيث تحولت الهوية السودانية من فخر بالانتماء إلى صراع من أجل البقاء في مراكز الإيواء.
تحت أنقاض المدن: حيث أراقب بيتي يُنهب وتاريخي يُمحى ومستقبل أبنائي يُقصف.
في “منطقة الظل”: حيث يُطلب مني الولاء المطلق لأطراف النزاع وأي محاولة للحفاظ على الحياد أو المناداة بالسلام تُصنف فوراً كفعل عدائي أو “عمالة”.
ظاهرة العودة لحضن الوطن: عفوٌ سياسي بصبغة “اللا-مساءلة”
برزت مؤخراً موجة من العودة لقيادات وكوادر كانت حتى وقت قريب جزءاً من الآلة الحربية أو السياسية التي مزقت النسيج الوطني.
هذه العودة تتم عبر صفقات “تحت الطاولة” تمنح العائد:
صك غفران فوري: يسقط بموجبه كل ما ارتكبه من تحريض أو مشاركة في تأجيج الصراع.
إعادة تدوير سياسي: حيث يُستقبل هؤلاء كـ “حكماء” أو “منقذين” في الوقت الذي تلطخت فيه أيديهم بدماء الأبرياء.
هذه الظاهرة تعكس العقلية السياسية السودانية القائمة على “التسويات الفوقية” التي تتجاهل مفهوم العدالة الانتقالية.
فالوطن هنا ليس “حضناً” دافئاً للجميع بل هو “نادي سياسي” يُسمح فيه للمذنبين بالدخول مجدداً شريطة تغيير الولاء لا التوبة عن الجرم.
المفارقة المأساوية: المواطن كـ “كبش فداء”
بينما يتم الاحتفاء بالعائدين وتبييض سجلاتهم نجد المواطن المسكين (التاجر، الموظف، أو الجار) يقع ضحية لمقصلة الاتهام.
فإذا ما اضطر المواطن للتعامل مع “العائد” إبان فترة سطوته أو وجوده في مناطق النزاع لتأمين لقمة عيشه أو حماية أسرته تُلاحقه تهمة “التعاون مع المتمردين” أو “الخلايا النائمة”.
الفئة الحالة القانونية / السياسية النتيجة
العائد (القيادي) عفو عام استقبال رسمي و حصانة واقعية العودة للسلطة أو النفوذ
المواطن البسيط تهمة “التعاون”، ملاحقة أمنية، تخوين مجتمعي السجن أو الوصم بالخيانة
هذا التباين يرسخ لمبدأ “الإفلات من العقاب للأقوياء” و “الإدانة الجائرة للضعفاء”.
إن محاكمة المواطن بتهمة “التعاون” مع شخص تم العفو عنه سياسياً هي قمة السريالية السياسية؛ فكيف يكون الطرف (أ) مجرماً يستحق التعاون معه العقاب بينما الطرف (ب) -وهو الفاعل الأصلي- ضيفاً معززاً في “حضن الوطن”؟
وطن للجميع أم إقطاعية للفرقاء؟
إن استمرار هذا النهج يؤكد أن الحرب في السودان ليست مجرد نزاع مسلح بل هي أزمة أخلاقية في تعريف “العدالة”.
إن “حضن الوطن” لا يجب أن يكون ملاذاً آمناً للمجرمين لغسل أموالهم وجرائمهم بل يجب أن يكون حصناً للمواطن الذي دفع ثمن هذه الحرب من دمه وماله وكرامته.
أنا المواطن السوداني أرفض أن أكون ضحية مرتين: مرة لنيران الحرب ومرة لميزان العدالة المائل الذي يغفر للذئب ويحاكم الراعي لأنه اضطر لمفاوضة الذئب على ما تبقى من القطيع.
العودة الحقيقية للوطن تبدأ بكلمة واحدة: المحاسبة وبدونها سيظل “حضن الوطن” مجرد فخ سياسي جديد.
نحو عقد اجتماعي جديد.. لا تسويات فوقية
إنّ استمرار نهج “العفو الانتقائي” وتغليب الصفقات السياسية على المبادئ القانونية لا ينهي الحروب بل يضعها في حالة “بيات شتوي” بانتظار دورة عنف قادمة.
إنّ تحويل “حضن الوطن” إلى مأوى للمساومات التكتيكية مع استمرار التنكيل بالمواطن البسيط تحت دعاوى التخوين يكرس أزمة الثقة بين الدولة والمجتمع ويحول مفهوم الوطنية من قيمة وجدانية إلى أداة للقمع السياسي.
إنّ المخرج من هذا النفق المظلم لا يكمن في منح “صكوك الغفران” لمن أفسدوا في الأرض بل في التأسيس لعدالة انتقالية شاملة تضع الضحية في مركز الاهتمام لا الجلاد.
لا يمكن بناء سودان مستقر طالما أن موازين العدالة تمنح الحصانة للقوي لولائه الجديد وتمنح السجن للضعيف لضرورات عيشه القديمة.
إنّ الوطن الذي نحلم به ليس “حضناً” يُفتح ويُغلق بقرار سيادي بل هو دولة المؤسسات التي يتساوى فيها الجنرال بالمواطن أمام منصة القضاء حيث لا عفو بلا محاسبة ولا عودة بلا توبة وطنية معلنة ولا استقرار يُبنى على أشلاء العدالة المغدورة.
وبغير ذلك سنظل ندور في حلقة مفرغة حيث يُعاد إنتاج الأزمات بوجوه قديمة ويظل المواطن هو الغريب الوحيد في أرضه.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.