شبكات الإخوان وسوق الحرب: كيف وصلت قضية «عتاد بورتسودان» للقضاء الإماراتي؟

تقرير: عين الحقيقة

في تطور لافت يكشف خيوط واحدة من أعقد شبكات التهريب العابر للحدود، أمرت النيابة المختصة في دولة الإمارات العربية، أمس، بإحالة 13 متهماً و6 شركات إلى محكمة أمن الدولة، على خلفية تورطهم في إدارة وتمويل وتنسيق عمليات مرتبطة بتهريب العتاد العسكري إلى السودان، في ما بات يُعرف بقضية «عتاد بورتسودان».

شبكة متعددة المستويات، تضم شخصيات عسكرية سابقة، ووسطاء ماليين، ورجال أعمال، وشركات واجهة، تعمل ضمن منظومة معقدة لتمرير الأموال والصفقات بعيداً عن الرقابة الرسمية..

المعطيات التي حصلت عليها «عين الحقيقة» تشير إلى شبكة متعددة المستويات، تضم شخصيات عسكرية سابقة، ووسطاء ماليين، ورجال أعمال، وشركات واجهة، تعمل ضمن منظومة معقدة لتمرير الأموال والصفقات بعيداً عن الرقابة الرسمية، في سياق اتسع مع اندلاع الحرب في أبريل 2023، حين أدى انهيار سلاسل الإمداد الرسمية إلى فتح المجال أمام قنوات موازية لتأمين السلاح والتمويل خارج الأطر القانونية.

ومع انتقال مؤسسات الدولة إلى بورتسودان، تحولت المدينة إلى مركز لوجستي وكارتل سياسي واقتصادي تعمل لصالح الحركة الإسلامية السودانية، وفي الوقت ذاته إلى نقطة جذب لشبكات تهريب عابرة للحدود استغلت ضعف الرقابة وتعقيدات المشهد الأمني، ما أسهم في نشوء سوق موازية للسلاح ترتبط بتوازنات الحرب ومصالح الفاعلين فيها.

في قلب هذه الشبكة، تبرز أدوار متداخلة تكشف عن بنية تشغيلية دقيقة؛ إذ لعب خالد يوسف مختار يوسف دوراً محورياً في التنسيق الفني لعمليات التسليح مستفيداً من خبرته داخل الأجهزة الأمنية، بينما ظهر أحمد ربيع سيد أحمد محمد كحلقة وصل رئيسية بين مراكز القرار ولجان التسليح، من خلال تسهيل أوامر التوريد وربط الأطراف المنفذة. وعلى مستوى الغطاء التجاري، استخدم راشد عمر عبد القادر علي شركاته كواجهة لتمرير شحنات يُشتبه في طابعها العسكري.

محلل: تمدد هذه الشبكات لا يمكن فصله عن البيئة التي أفرزتها الحرب، بما في ذلك صعود التشكيلات المسلحة غير النظامية وظهور كتائب ذات ارتباطات سياسية..

أما على الصعيد المالي، فتكشف التحقيقات عن منظومة تحويلات غير رسمية يقودها ماهر عبد الجليل محمد عبد الجليل عبر قنوات خارج النظام المصرفي، بمشاركة شبكة من الوسطاء شملت أحمد خلف الله عبد الله أحمد في إدارة التحويلات، ومبارك علي الشيخ محمد وعثمان باكر علي كرار في نقل الأموال، إلى جانب أحمد عبد الله الذي لعب دوراً في تمويل الصفقات عبر شركات إقليمية، ما يعكس بنية مالية عابرة للحدود يصعب تتبعها بالوسائل التقليدية.

وفي الجانب الميداني، تشير الاتهامات إلى إشراف عثمان محمد الزبير محمد على إدخال الأسلحة والتنسيق مع شركات التوريد الأجنبية، فيما يرد اسم صلاح عبد الله محمد صالح «صلاح قوش» المدير الأسبق لجهاز أمن نظام المخلوع البشير ضمن دائرة الاتهام لدوره في إدارة علاقات خارجية لتأمين السلاح عبر قنوات غير رسمية.

كما تظهر أدوار مساندة داخل الشبكة، من بينها نقل الأموال بواسطة مصعب عوض الكريم حسن محمد، وتسهيل صفقات التوريد عبر محمد الفاتح محمد بيتك، إضافة إلى بروز اسم ياسر عبد الرحمن حسن العطا ضمن مسارات تنسيق الإمداد.

وفي قراءة أوسع للسياق، يرى محلل سياسي فضل عدم الكشف عن هويته لـ»عين الحقيقة» أن تمدد هذه الشبكات لا يمكن فصله عن البيئة التي أفرزتها الحرب، بما في ذلك صعود التشكيلات المسلحة غير النظامية وظهور كتائب ذات ارتباطات سياسية، وهو ما خلق واقعاً موازياً خارج هيكل الدولة، تعددت فيه مراكز القرار وتداخلت قنوات التسليح، الأمر الذي أسهم في توسيع نطاق الإمداد غير الرسمي، وإضعاف الرقابة المؤسسية، وفتح المجال أمام شبكات التمويل والتهريب للعمل بحرية أكبر. ويستطرد المحلل أن جوهر المشكلة لا يكمن فقط في وجود هذه الشبكات، بل في البيئة السياسية التي سمحت لها بالنشاط، سواء عبر الغطاء المباشر أو غياب المساءلة أو تضارب مراكز النفوذ داخل السلطة في بورتسودان.

وبحكم موقعها كمركز مالي وتجاري دولي، شكلت دولة الإمارات العربية المتحدة نقطة محورية في تتبع التحويلات والأنشطة المرتبطة بالقضية، حيث ركزت التحقيقات على الشركات الواجهة، والتحويلات المالية المشبوهة، وشبكات الوساطة، قبل أن تتراكم الأدلة وتُحال القضية إلى محكمة أمن الدولة.

تكشف هذه القضية عن نموذج متكامل لما يمكن وصفه باقتصاد الحرب الموازي، حيث تتداخل المصالح السياسية مع الأنشطة الاقتصادية والعمليات العسكرية ضمن شبكة واحدة معقدة.. ورغم أن إحالة الملف إلى القضاء تمثل خطوة مهمة، فإنها تفتح الباب أمام تساؤلات أعمق حول الجهات التي تدير هذا الاقتصاد من خلف الستار، وحدود ارتباطه بمراكز النفوذ السياسي، وما إذا كانت المحاكمة ستكشف عن بنية أوسع من هذه الشبكة. القضية الآن أمام القضاء، لكن ما تكشّف منها حتى الآن قد لا يكون سوى جزء من صورة أكبر لا تزال خيوطها تتكشف.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.