ليست هذه هي المرة الأولى في التاريخ التي تتحول فيها اللغة إلى سلاح حرب، ولا التي يُستبدل فيها الرصاص بالكلمات القذرة تمهيداً للرصاص الحقيقي. فمنذ أن اكتشف الطغاة أن السيطرة على العقول تسبق السيطرة على المدن، صار “الشتّامون” جزءاً من أي معركة سياسية كبرى؛ لا بوصفهم أفراداً غاضبين فقط، بل باعتبارهم “أداة سلطة” كاملة الوظيفة.
هكذا فعلت الفاشية الإيطالية حين صنعت “جماعات القمصان السوداء” التي لم تكن مهمتها القتل وحده، بل أيضاً إرهاب المجتمع نفسياً وتحويل الإهانة إلى ثقافة عامة ضد الخصوم. وهكذا فعل النازيون حين فتحوا الباب أمام خطاب الكراهية ضد اليهود والمعارضين حتى صار الشتم الشعبي مقدمة للمحرقة. وهكذا فعلت أنظمة عربية كثيرة حين جعلت من الإعلام والجيوش الإلكترونية والسخرية المنظمة وسيلة لتحطيم أي صوت ناقد قبل تحطيم صاحبه.
الفيلسوفة السياسية الألمانية حنّا اريندت، تحدثت مبكراً عن أن الأنظمة التسلطية لا تكتفي بالسيطرة على السياسة، بل تسعى لتدمير القدرة البشرية على التفكير المستقل. ولذلك يصبح “الغوغاء” جزءاً من بنية الحكم نفسها، لا مجرد ظاهرة جانبية. فالنظام الذي يعجز عن إنتاج منطق مقنع، يحتاج دائماً إلى ضجيجٍ مرتفع يمنع الناس من التفكير. وفي السودان، تتضاعف خطورة هذه الحالة لأن الحرب نفسها خلقت بيئة خصبة للكراهية. ملايين النازحين، آلاف القتلى، مدن محطمة، اقتصاد منهار، مجتمع يعيش تحت صدمة جماعية هائلة. وفي مثل هذه الظروف، يصبح العقل أكثر هشاشة، ويصبح خطاب الثأر والعنف أكثر جاذبية. لكن المأساة الأكبر أن بعض دعاة الحرب يدركون ذلك جيداً، ويستثمرون فيه بوعي كامل.
وفي السودان اليوم، ومع طول الحرب، وانهيار الدولة، وتصاعد الاستقطاب، واحتراق الأعصاب الجماعية، بدأت تتضخم ظاهرة مرعبة؛ ليس فقط اختلاف الناس سياسياً، بل انحدار اللغة نفسها إلى مستوى بدائي وعنيف ومريض. أي قلم يكتب ضد البرهان، أو ينتقد الحركة الإسلامية، أو يهاجم دعاة الحرب، أو يتحدث عن العدالة الانتقالية، أو يطرح أسئلة حول الجرائم والانتهاكات، يجد نفسه أمام موجة من الشتائم المنظمة، والتخوين، والسباب، والتشويه الأخلاقي، وكأن المطلوب لم يعد الرد على الفكرة، بل اغتيال الإنسان نفسه.
وهنا تكمن أخطر نقطة في المسألة. فاللغة ليست مجرد كلمات؛ اللغة هي مرآة الوعي الجمعي. وحين تنحدر اللغة إلى القاع، فهذا يعني أن المجتمع نفسه يُدفع نحو القاع. الشتيمة السياسية ليست “انفعالاً عابراً” كما يظن البعض؛ بل إنها مؤشر على تفكك المجال العام، وعلى انتقال الصراع من صراع أفكار إلى صراع غرائز.
علم النفس السياسي يفسر ذلك بوضوح شديد. فالمجتمعات الواقعة تحت ضغط الحروب الطويلة، والخوف، والانهيار الاقتصادي، والنزوح، وفقدان اليقين، تصبح أكثر قابلية للعدوان اللفظي. الإنسان المقهور يبحث عن “عدو رمزي” يفرغ فيه خوفه وعجزه. ومع الوقت، يتحول “الشتّام” إلى شخص يشعر بالقوة الوهمية عبر الإهانة. إنه عاجز عن تغيير الواقع، فيحاول تعويض عجزه بالعدوان الرقمي.
لكن الأمر في السودان تجاوز هذا التفسير الفردي البسيط. ما يحدث اليوم يحمل سمات “التعبئة السياسية المنظمة”. فالحركات الأيديولوجية التي تشعر بأن نفوذها مهدد غالباً ما تلجأ إلى تصنيع حالة هستيرية ضد أي صوت ناقد. ليس الهدف إقناع الناس، بل تخويفهم. ليس المطلوب أن تنتصر الحجة، بل أن يصمت الخصم.
وهنا يظهر ما يسميه علماء السياسة “إرهاب المجال العام”. أي خلق بيئة يشعر فيها الكاتب أو الصحفي أو الباحث أو الناشط أن مجرد إبداء رأيه سيجلب عليه سيلًا من الإهانات والتهديدات والتشهير. ومع الوقت، يبدأ الناس في ممارسة الرقابة الذاتية خوفاً من القطيع الغاضب. وهكذا تنتصر السلطة، ليس لأنها أقنعت المجتمع، بل لأنها نجحت في إخافته. ولهذا فإن أخطر ما في الجيوش الإلكترونية ليس الكذب وحده، بل قدرتها على قتل “الشجاعة المدنية”.
لاحظ كيف تعمل هذه الظاهرة دائماً بطريقة متشابهة؛ كل من يطالب بالعدالة “خائن”. كل من يرفض الحرب “عميل”. كل من ينتقد الجيش او قادته، “مرتزق”. كل من يسأل عن الجرائم “داعم للتمرد”. كل من يناقش الإسلاميين “عدو للدين”. كل من يطالب بالدولة المدنية “عميل للغرب”. إنها ليست نقاشات سياسية أصلاً؛ إنها عملية تبسيط وحشي للعالم، تختزل البشر في ثنائية؛ معنا أو ضدنا. وهذا بالضبط هو منطق الحركات الشمولية عبر التاريخ.
وما يزيد المشهد قتامة، أن كثيراً من هذا الانفجار البذيء لا يأتي حتى من أشخاص حقيقيين يتحملون مسؤولية ما يكتبون، بل من جيوشٍ رقمية مجهولة الملامح؛ حسابات مغلقة، وأسماء وهمية، وصور مسروقة، وصفحات صُممت خصيصاً للهجوم والتخوين والإغراق في القذارة. تدخل إلى أحد تلك الحسابات فلا تجد حياةً طبيعية، ولا أصدقاء حقيقيين، ولا تاريخاً إنسانياً واضحاً؛ فقط منشورات تحريض، وتعليقات متكررة، ولغة متشابهة، وهجمات منسقة، وكأنك أمام “مصنع شتائم” لا أمام بشر مختلفين في الرأي. والأدهى أن بعضها يتحرك بخصائص أمنية مثيرة للريبة؛ صفحات لا تستطيع أحياناً أخذ لقطة شاشة واضحة لها، أو حسابات مغلقة بإحكام تُدار وكأن مهمتها ليست النقاش بل تنفيذ عمليات إزعاج نفسي منظمة ثم الاختفاء في الظل. وهذا بالضبط ما جعل العالم يطلق على هذه الظاهرة اسم “الذباب الإلكتروني”؛ لأن الهدف ليس الحوار أصلاً، بل الإغراق، والتشويش، وإرهاق الخصوم نفسياً، وتحويل الفضاء العام إلى مستنقع قذر يدفع العقلاء إلى الانسحاب طوعاً. إنها نسخة رقمية حديثة من البلطجة السياسية القديمة؛ فرق فقط أن العصي والهراوات استُبدلت اليوم بلوحات مفاتيح، وأن القناع الأسود صار حساباً وهمياً يختبئ خلف شاشة هاتف
فكلما ارتفعت أصوات المطالبين بوقف الحرب، أو العدالة الانتقالية، أو التحقيق في الجرائم، أو تفكيك خطاب الكراهية، يتم إطلاق موجات جديدة من التحريض والتخوين والسباب. لأن الحرب لا تعيش فقط على السلاح؛ الحرب تعيش أيضاً على تعطيل العقل النقدي. ومن هنا نفهم لماذا تتحول بعض الصفحات والمنصات إلى ما يشبه “غرف التعبئة النفسية”. ليست مهمتها النقاش، بل تصنيع الغضب، وتوزيع الكراهية، وتحويل البشر إلى جماهير هائجة فاقدة للقدرة على التمييز. والمفارقة الساخرة المبكية، أن كثيراً ممن يمارسون هذا العنف اللفظي يظنون أنهم يدافعون عن الدين أو الوطن أو الجيش، بينما هم في الحقيقة يشاركون، ربما دون وعي، في تدمير النسيج الأخلاقي للمجتمع نفسه. فلا وطن يمكن أن يقوم على الإهانة الدائمة، ولا دولة يمكن أن تُبنى فوق مقابر الحقيقة، ولا دين يمكن أن ينتصر بالكذب والسباب.
إن المجتمعات لا تنهار فقط حين تخسر الحروب العسكرية؛ بل تنهار أيضاً حين تفقد لغتها الأخلاقية. وحين يصبح “الشتّام” أكثر شعبية من المفكر، والمحرّض أكثر تأثيراً من الباحث، والقطيع الإلكتروني أعلى صوتاً من الضمير الإنساني، فاعلم أن المجتمع دخل مرحلة خطيرة من التوحش السياسي. لكن التاريخ يقول أيضاً إن هذه الموجات، مهما ارتفعت، ليست أبدية. فكل الأنظمة التي اعتمدت على التخويف والكراهية انتهت في النهاية إلى الخراب؛ لأن المجتمعات لا تستطيع العيش طويلاً داخل مناخ دائم من الصراخ والعداء. وفي اللحظة التي تهدأ فيها الحرب، ويبدأ الناس في مراجعة الخراب، سيكتشف كثيرون أنهم كانوا يُستخدمون وقوداً نفسياً لمعركة أكبر منهم.
وسيأتي يوم يسأل فيه السودانيون سؤالاً بالغ القسوة؛ كيف تحولت صفحاتنا ومنابرنا إلى ساحات إعدام أخلاقي؟ كيف صار المثقف هدفاً؟ كيف أصبح السؤال جريمة؟ كيف تحولت الشتيمة إلى “وطنية”؟ وكيف أقنع البعض الناس بأن العدالة خيانة، وأن السلام ضعف، وأن التفكير المستقل مؤامرة؟ ذلك اليوم سيأتي حتماً، لأن المجتمعات قد تتأخر في رؤية الحقيقة، لكنها لا تفشل في رؤيتها إلى الأبد. أما الذين يواصلون الكتابة اليوم، رغم القذارة، ورغم حملات التخوين، ورغم الجيوش الإلكترونية، فهم لا يدافعون فقط عن رأي سياسي؛ بل يدافعون عن آخر ما تبقى من فكرة السودان نفسه… السودان الذي يُدار بالعقل لا بالغوغاء، وبالحقيقة لا بالشتيمة، وبالمواطنة لا بالتحريض، وبالعدالة لا بالخوف.
المؤكد ان أكثر ما يفشل هؤلاء في فهمه هو أن الإرهاب اللفظي، مهما بلغ من القبح والتنظيم، قد ينجح أحياناً في إخافة بعض الناس، أو دفع البعض إلى الصمت المؤقت، أو إبعاد شخصيات متعبة من ساحة النقاش العام، لكنه لن يستطيع إيقاف حركة التاريخ، ولا إسكات العقول الحرة إلى الأبد. فالمثقف الحقيقي لا يكتب لأن الطريق آمن، بل لأنه يعرف أن الصمت في لحظات الانهيار خيانة أخلاقية. والكاتب الذي يرى وطنه يحترق لن يتوقف لأن مجموعة من الغاضبين شتمته على فيسبوك، ولا لأن جيوشاً إلكترونية حاولت اغتياله معنوياً. والسياسي الذي يؤمن بوقف الحرب، وبالدولة المدنية، وبالعدالة الانتقالية، يدرك مسبقاً أن طريقه لن يكون مفروشاً بالتصفيق، بل بالتحريض والتشويه والاتهامات. هذه طبيعة كل المعارك الكبرى في التاريخ. لم ينتصر دعاة الحرية في أي مكان لأنهم كانوا الأكثر راحة، بل لأنهم كانوا الأكثر صبراً على الكراهية. ولهذا، فإن الذين يهاجمون اليوم كل صوت مناهض للحرب، وكل قلم ينتقد الحركة الإسلامية، وكل من يفضح فساد حكومة بورتسودان، يظنون أنهم يصنعون “هيبة” أو “انتصاراً سياسياً”، بينما هم في الحقيقة يكشفون هشاشة مشروعهم وخوفه العميق من الكلمة الحرة. فالسلطة الواثقة من نفسها لا تخاف المقال، ولا ترتعب من السؤال، ولا تحتاج إلى جيوش من الشتّامين لحماية خطابها. وكلما ارتفع مستوى البذاءة، ارتفع معه الدليل على الإفلاس الفكري والسياسي والأخلاقي.
ان هؤلاء “الشُتّام” قد ينجحون في تسميم الفضاء العام لبعض الوقت؛ قد يملأون المنصات ضجيجاً وصراخاً وكراهية؛ قد يدفعون بعض الناس إلى الانسحاب المؤقت من النقاش العام… لكنهم لن يوقفوا جيلاً كاملاً تشكل وعيه وسط الدم والخراب، وأدرك أن الحرب ليست بطولة، وأن الاستبداد ليس وطناً، وأن استخدام الدين غطاءً للسلطة لم يعد يخدع كما كان يفعل في الماضي. لقد تغيّر السودان، حتى وإن لم يعترفوا بذلك بعد. فكل يوم حرب إضافي يصنع مزيداً من الأسئلة، ومزيداً من الغضب، ومزيداً من الوعي، ومزيداً من الناس الذين قرروا أن هذا البلد يستحق مستقبلاً مختلفاً؛ دولة لا تُدار بالعسكر، ولا بالميليشيات، ولا بالفتاوى السياسية، ولا بغرف الكراهية الإلكترونية. ولهذا فإن المعركة الحقيقية لم تعد فقط معركة بنادق؛ إنها معركة وعي أيضاً. وفي معارك الوعي الطويلة، قد يعلو صوت الغوغاء لبعض الوقت… لكن الذي يبقى في النهاية هو الفكرة، لا الصراخ؛ والحقيقة، لا الشتيمة؛ والضمير، لا القطيع.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.