أوراق زراعية تأسيسية: من وزارة التشتّت إلى عقل الدولة المنتجة الحلقة الأولى

د. أحمد التيجاني سيد أحمد

مقدمة
منذ بداية الاستقلال، لم يحظَ السودان بحكومةٍ قادرة على معالجة مشكلات القطاعات المختلفة من خلال رؤية وطنية توحيدية تكاملية. ظلّت الحكومات تتعامل مع القطاعات كملفاتٍ متفرقة، ومع الأقاليم كجزرٍ منفصلة، بدل أن تراها أجزاءً متكاملة في مشروع وطني واحد، تتقاطع فيه قضايا الأرض والماء والإنتاج والخدمات والهوية والعدالة.

كان المطلوب أن تأتي حكومة تجعل الناس في كل طرفٍ من أطراف السودان ينهضون وهم يرتدون أرديتهم الخاصة، ويحملون ألوانهم الخاصة، لا بوصفها علامات انفصال أو تباعد، بل بوصفها تعبيرًا عن وحدةٍ حقيقية لا تلغي التنوع. فالوحدة التي تنكر الألوان ليست وحدة، بل طمسٌ مقنّع؛ والوطن الذي يطلب من أطرافه أن تخلع ذاكرتها وثقافتها وأزياءها كي تنتمي إليه، لا يبني دولة، بل يعيد إنتاج المركز بأسماء جديدة.

لكن ما حدث أن الناس انشغلوا بقراءة الألوان والأشكال واللافتات أكثر من انشغالهم بقراءة المحتوى والبرامج والرؤى. صار السؤال: من أين جاء هذا؟ ولمن ينتمي ذاك؟ وما لون هذا التيار؟ وما شكل ذلك التحالف؟ بدل أن يكون السؤال: ما المشروع؟ وما الخطة؟ وما القدرة على تحويل الأرض إلى إنتاج، والإنتاج إلى اقتصاد، والاقتصاد إلى سيادة وطنية؟

ومن هنا تأتي الغلطة الزراعية الكبرى: أن تُدار الزراعة، وهي قلب السودان الاقتصادي والاجتماعي، بعقلية المحاصصة لا بعقلية الإنتاج؛ وبمنطق الترضيات لا بمنطق التخطيط؛ وبحسابات التحالفات لا بحسابات الأرض والماء والمزارعين والرعاة والأسواق والقيمة المضافة.

فالزراعة ليست حقيبةً تُوزَّع، ولا منصبًا يُمنح، ولا اسمًا يُقدَّم لإرضاء طرفٍ أو تحالف. الزراعة هي عقل الدولة إن أُحسن فهمها: هي الأرض، والماء، والإنسان، والحيوان، والغابة، والسوق، والطريق، والميناء، والمصنع، والعملة الصعبة، والاستقرار الاجتماعي، والأمن الغذائي، والكرامة الوطنية.

صُرّة الأمر: الزراعة ليست حقيبة تُوزَّع بل عقل دولة يُبنى

صُرّة الأمر أنّ الزراعة في السودان ليست وزارةً معزولة داخل دولاب إداري مترهّل، وليست ملفًا فنيًا ضيقًا يُترك للروتين، وليست منصبًا يُمنح عند تقسيم الغنائم السياسية. الزراعة في السودان هي مدخل الدولة كلها، لأنها تمسّ الأرض والناس والماء والغذاء والعمل والاستقرار والسلام.

لكن الغلطة الكبرى لم تكن في محاولةٍ فاشلة لبناء قطاعٍ زراعي جامع، بل في عدم المحاولة أصلًا. تركنا الأمر يتسيّب في مقتلةٍ طويلة، وظللنا خمسين عامًا نتأرجح بين الشعارات والمحاصصات، بين وزارةٍ تُمنح وقطاعٍ يُهمل، بين خططٍ تُكتب ولا تُنفّذ، ومواسمَ تأتي وتذهب كأنها لا تعني بقاء الدولة نفسها.

وحين ضاق الحال بكبيرهم، جمع المتفرّق كلّه في وعاءٍ واحد، لا على هيئة تكاملٍ منتج، بل على هيئة خلطةٍ مرتبكة؛ فأصابته الخلطة بسوء هضمٍ قاتل. لقد جُمعت الأجزاء دون منهج، وتجاورت الملفات دون تنسيق، وتزاحمت الأسماء دون رؤية، فصار القطاع وعاءً متخمًا بدل أن يكون عقلًا منتجًا.

وبدل أن تتكامل الأرض والماء والثروة الحيوانية والغابات والأسواق والصناعة والتمويل، أخذ كل جزءٍ يلتهم الآخر حتى ضاع الأصل: إنقاذ الموسم، وبناء الإنتاج، وتثبيت الناس في أرضهم.

هكذا ضاعت الزراعة بين اتساع الفكرة وضيق الإدارة. فكرةٌ تريد أن تجمع السودان كله في مشروع إنتاجي واحد، وإدارةٌ لا تعرف كيف تفصل لتنسّق، ولا كيف تجمع لتنتج. فليست المشكلة في اسم الوزير وحده، ولا في ضعف مؤسسة بعينها، بل في عقلٍ سياسي ظلّ يرى القطاعات كغنائم، والأقاليم كأرصدة تفاوض، والمناصب كوسائل ترضية، بينما كان المطلوب أن تُرى الزراعة كمنظومة دولة كاملة، لا كحقيبة داخل حكومة مشتتة.

منطق المحاصصة ضد منطق الإنتاج

فالزراعة لا تُدار بعقلية الجلوس حول طاولة لتقسيم الحقائب، بل بعقلية غرفة عمليات وطنية تعرف أين الماء، وأين الأرض، وأين البذور، وأين الوقود، وأين التمويل، وأين المزارع، وأين الراعي، وأين السوق، وأين الطريق، وأين المخزن، وأين الميناء.

الزراعة لا تنتظر بيانات سياسية مطوّلة، بل تنتظر قرارًا في الوقت الصحيح، وتمويلًا قبل فوات الموسم، ومدخلات قبل نزول المطر، وحمايةً للمزارع قبل أن تُنهب الأرض، وسوقًا قبل أن يتكدس الإنتاج بلا قيمة.

ومن هنا فإن وزارة الزراعة، إذا بقيت مجرد وزارة داخل حكومة تحالفات مشتتة، ستفشل ولو جلس على رأسها أفضل الناس. لأن المشكلة ليست في الوزير وحده، بل في بنية التفكير نفسها. الوزير بلا رؤية تكاملية يصبح موظفًا كبيرًا في جهاز عاجز. والخبير بلا سلطة تنفيذية يصبح شاهدًا على الفشل. والسياسي بلا معرفة فنية يصبح عبئًا على الموسم. أما التحالف الذي لا يفهم الفرق بين إدارة الدولة وتوزيع المناصب، فإنه يحوّل الزراعة إلى ضحية جديدة في سوق الترضيات.

إن السودان لا يحتاج إلى حكومة تحالفات تتقاسم الوزارات كما تُقسَّم الغنائم، بل يحتاج إلى حكومة مشروع، تعرف أن الزراعة ليست ملفًا من ملفات الحكم، بل هي مدخل الحكم نفسه. فالذي يمسك بالأرض والماء والإنتاج والغذاء يمسك بإمكانية بناء الدولة. والذي يترك هذه العناصر للتشتت والمحاصصة، يترك الدولة كلها معلقة بين موسمٍ ضائع، وريفٍ منهك، ومواطنٍ لا يرى من الحكومة إلا أسماءً تتبدل ووعودًا لا تنزل إلى الأرض.

الأقاليم ليست جزرًا

المطلوب إذن ليس فقط تعيين وزير زراعة، بل بناء عقل زراعي وطني يقود الدولة من داخل الأرض لا من داخل المكاتب. عقل يعرف أن دارفور ليست ملفًا أمنيًا فقط، بل مخزنًا زراعيًا ورعويًا ضخمًا. وأن كردفان ليست هامشًا بعيدًا، بل قلب الصمغ العربي والثروة الحيوانية. وأن الشرق ليس ممرًا للموانئ فقط، بل مجال للرعي والزراعة والتصدير والتكامل مع البحر.

ويعرف هذا العقل أن الشمالية ونهر النيل ليستا مجرد شريط نيلي، بل ذاكرة إنتاجية يمكن أن تنهض بالتمور والقمح والمحاصيل البستانية. وأن الجزيرة ليست مشروعًا قديمًا متعبًا، بل مدرسة كبرى لإعادة بناء التخطيط الزراعي الحديث إذا أُعيدت إليها الروح. وأن القضارف وسنار والنيل الأزرق ليست مجرد مساحات إنتاج، بل قاعدة استراتيجية للأمن الغذائي الوطني والإقليمي.

هكذا فقط تتحول الأقاليم من جزرٍ منفصلة إلى جسدٍ وطني واحد، وتتحول القطاعات من ملفاتٍ مبعثرة إلى منظومة متكاملة، وتتحول الحكومة من سوق تحالفات إلى أداة بناء.

الزراعة كمنظومة دولة

هنا تظهر حقيقة المسألة: السودان لا يحتاج إلى وزارة زراعة منفصلة عن بقية الدولة، بل يحتاج إلى منظومة زراعية قيادية تربط الزراعة بالمالية، والري، والطاقة، والنقل، والصناعة، والتجارة، والحكم المحلي، والتعليم الفني، والبحث العلمي، والبيطرة، والغابات، والثروة الحيوانية.

فالموسم الزراعي لا ينجح بقرار وزارة واحدة، بل بتنسيق دولة كاملة. لا يكفي أن تتوفر الأرض إذا غاب التمويل، ولا يكفي أن تتوفر المياه إذا غابت الطاقة، ولا يكفي أن يُزرع المحصول إذا غابت الطرق والمخازن والأسواق، ولا يكفي أن ينتج المزارع إذا بقي الإنتاج خامًا بلا تصنيع ولا قيمة مضافة.

ولهذا فإن أي حكومة لا تضع الزراعة في مركز مشروعها الوطني، لا في هامشه، لن تبني اقتصادًا، ولن توقف الحرب، ولن تعيد النازحين، ولن تثبت الناس في أرضهم. لأن السلام في السودان لا يُصنع في القاعات وحدها، بل يُصنع حين يجد المزارع بذوره، والراعي مساره، والقرية طاحونتها، والشباب عملًا، والمرأة مشروعًا، والنازح سببًا حقيقيًا للعودة.

خاتمة: من وزارة التشتّت إلى عقل الدولة المنتجة

هذه هي صُرّة الأمر: إما أن تصبح الزراعة عقل الدولة الجديدة، أو تبقى وزارةً تائهة في حكومة التشتت.

وإما أن تتحول الأقاليم من جزرٍ منفصلة إلى جسدٍ وطني واحد، والقطاعات من ملفاتٍ مبعثرة إلى منظومة متكاملة، أو سنبقى ندور في الحلقة القديمة نفسها: ألوان كثيرة، أردية كثيرة، لافتات كثيرة، وتحالفات كثيرة، ومحتوى قليل.

فليس المطلوب أن نضيف وزارةً جديدة إلى حكومةٍ قديمة العقل، بل أن نعيد بناء عقل الدولة من الحقل، ومن الماء، ومن القرية، ومن الموسم، ومن الإنسان المنتج.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.