الحركة الإسلامية والدبلوماسية السودانية: تغلغل منهجي في خدمة الحرب

لم يكن تصريح وزير الخارجية السوداني عن “التعامل المفتوح” مع إثيوبيا مجرد زلة لسان دبلوماسية، بل جاء نموذجاً مكثفاً يكشف بنية عميقة راسخة: دبلوماسية مصنوعة في مطابخ الحركة الإسلامية، تعمل بمنطق مختلف تماماً عن منطق الدولة.

منذ انقلاب يونيو 1989، أعادت الحركة الإسلامية السودانية هيكلة وزارة الخارجية من الداخل بصورة ممنهجة. لم يكن الأمر مجرد تغيير وجوه في المناصب القيادية، بل امتد إلى البنية التحتية للجهاز الدبلوماسي: الكوادر المتوسطة، ضباط الارتباط، المستشارون الاقتصاديون في السفارات، وحتى الملحقون الثقافيون. وثّق باحثون في معهد الدراسات الأفريقية أن نسبة الكوادر المنتمية للحركة أو المحسوبة عليها في السلك الدبلوماسي تجاوزت خلال التسعينيات ثمانين بالمئة.

الفارق الجوهري أن هذا التغلغل لم يُفرز دبلوماسيين يخدمون الدولة، بل عناصر تخدم المشروع. الفرق دقيق لكنه حاسم: الدولة لها مصالح قابلة للتفاوض، أما المشروع فله أعداء وجودية لا يُساوَم عليهم. ومن هنا جاءت الكوارث المتتالية: التطبيع مع حركات مسلحة في الجوار، استضافة تنظيمات إرهابية في التسعينيات، وتبادل الملفات الاستخباراتية مع دول معادية لكل حكومة الخرطوم وجيرانها في الوقت ذاته.

الحركة الإسلامية أتقنت فناً خاصاً: الإبقاء على حالة العداء المُدارة مع الدول المحيطة، لا تصعيداً يؤدي إلى حرب فعلية ولا تهدئة تزيل الذريعة. نموذجها الأمثل العلاقة مع مصر. فطوال عقود، لم تكن القاهرة صديقاً ولا عدواً، بل ورقة ضغط داخلية. حين يفشل الاقتصاد، ثمة “مؤامرة مصرية”. حين تتراجع الشعبية، ثمة “تدخل أجنبي”. الأمر ذاته تكرر مع تشاد وأوغندا وإريتريا وإثيوبيا.

البشير حين كان يمتلك بنية دولة متماسكة نسبياً وعائدات نفطية وجهازاً أمنياً عضلياً، استطاع إدارة هذا التوتر المُصطنع بكفاءة. أما اليوم، فالبرهان يُحاول ممارسة اللعبة ذاتها وهو يقف على أرض تتفتت: عاصمة مدمرة، خمس عشرة مليون نازح، جنيه في حضيضه، ومليشيات تحارب عشائر لا وطناً.

عبارة “التعامل المفتوح” التي أطلقها وزير الخارجية ليست موجهة لأديس أبابا. في القانون الدولي يُفهم منها “كل الخيارات مطروحة بما فيها العسكرية”، لكن المتلقي الفعلي هو الشارع السوداني المنهك. الرسالة للداخل: نحن أقوياء، نهدد ولا نُهدَّد.

هذا النمط التصريحي ليس جديداً في أدوات الحركة. إنه بديل عن الإنجاز، وتعويض عن الهزيمة في الميدان. وحين تعجز الدولة عن تقديم خبز أو أمن أو خدمات، تقدم لها خطاباً. الخطاب الخارجي بالغ الفعالية في هذا السياق: فهو يحوّل الإخفاق الداخلي إلى تآمر خارجي، ويمنح الجمهور عدواً يتوحد ضده، ويؤجل كل سؤال جوهري عن المسؤولية.

غير أن الحركة وقعت في فخ استراتيجيتها ذاتها. إدارة العداء الإقليمي التي كانت تُعزز الداخل باتت اليوم تُفككه. الحركات المسلحة المنضوية نظرياً تحت لواء الجيش، كمالك عقار وتحالفات دارفور، لا يمكنها ولا تريد حرباً مع إثيوبيا التي تمثل لها ضامناً سياسياً وملاذاً استراتيجياً. الخليج الذي موّل الحروب السابقة وصل إلى حافة النفاد، والعزلة الدولية للبرهان باعتباره قائداً انقلابياً متهماً بجرائم حرب تُغلق أي باب لغطاء أممي.

ما يجري اليوم هو استمرار لمشروع الحركة الإسلامية في إدارة الدولة السودانية أداةً للبقاء لا هدفاً للبناء. الدبلوماسية في هذا النموذج ليست صناعة سلام ولا بناء علاقات، بل هي توليد خصوم يُسوِّغون الحرب، وتأجيل التسوية السياسية التي ستسقط معها كل الذرائع.

الضحية المزدوجة هي السودان: دولةً تتفكك، وشعباً يدفع ثمن شماعة لا تُغني عن جوع.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.