السودان بين الحرب والوساطات المتعثرة: كيف تُعقّد التناقضات السياسية فرص السلام؟

تقرير: عين الحقيقة

مع استمرار الحرب في السودان وتعثر جهود وقف إطلاق النار، تتزايد التساؤلات حول الأسباب الحقيقية لفشل المبادرات الإقليمية والدولية في تحقيق اختراق حقيقي. ففي الوقت الذي تدفع فيه منظمات إقليمية ودولية نحو تسوية سياسية شاملة، يبدو المشهد السوداني أكثر تعقيدًا بسبب تشابك المصالح الداخلية مع الحسابات الإقليمية. ويرى مراقبون أن الأزمة لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى صراع متعدد الأبعاد تُستخدم فيه أدوات السياسة والإعلام والتحالفات الخارجية لإعادة تشكيل موازين القوة.

تعددت المبادرات المطروحة لوقف القتال، سواء عبر الهيئة الحكومية للتنمية في شرق إفريقيا (إيغاد) أو الاتحاد الإفريقي أو المبادرات العربية والدولية. لكن معظم هذه الجهود اصطدمت بعقبات متكررة..

رسائل متناقضة إلى الخارج

بحسب محللين سياسيين، تتبنى بعض التيارات المرتبطة بالإسلام السياسي في السودان خطابًا مزدوجًا تجاه الإقليم والمجتمع الدولي. ففي بعض الأحيان، يتم تقديم الصراع باعتباره معركة لحماية مؤسسات الدولة من الانهيار أو من سيطرة جماعات مسلحة، بهدف كسب دعم القوى الإقليمية القلقة من الفوضى الأمنية.

وفي المقابل، تُستخدم في أحيان أخرى ملفات حساسة مثل تدفقات اللاجئين، وانتشار الجماعات المتطرفة، والتدهور الإنساني، للفت انتباه المجتمع الدولي إلى مخاطر انهيار الدولة السودانية بالكامل. ويرى مراقبون أن هذا التباين في الخطاب يعكس محاولة للحفاظ على هامش واسع من المناورة السياسية في ظل بيئة إقليمية شديدة التعقيد.

الوساطات الإقليمية أمام جدار الانقسام

منذ اندلاع الحرب، تعددت المبادرات المطروحة لوقف القتال، سواء عبر الهيئة الحكومية للتنمية في شرق إفريقيا (إيغاد) أو الاتحاد الإفريقي أو المبادرات العربية والدولية. لكن معظم هذه الجهود اصطدمت بعقبات متكررة، أبرزها غياب التوافق بين الأطراف السودانية حول شكل العملية السياسية ومن يحق له المشاركة فيها. ويشير دبلوماسيون إلى أن أي مبادرة لا تراعي توازنات القوى داخل السودان تواجه صعوبة في الاستمرار، خصوصًا مع وجود أطراف تخشى أن يؤدي أي انتقال سياسي إلى إقصائها أو فتح ملفات قانونية تتعلق بالماضي.

الخوف من الفراغ الأمني

تواجه دول الجوار والإقليم معضلة معقدة في التعامل مع الأزمة السودانية. فمن جهة، هناك رغبة واضحة في إنهاء الحرب ومنع تفكك السودان، ومن جهة أخرى، تخشى بعض الأطراف الإقليمية من أن يؤدي انهيار المؤسسات العسكرية أو الأمنية إلى فراغ قد تستفيد منه جماعات متشددة أو شبكات تهريب عابرة للحدود. هذا التردد، بحسب خبراء، ينعكس على طبيعة المواقف الإقليمية، حيث تميل بعض الدول إلى دعم الاستقرار ولو بشكل مؤقت، حتى وإن كان ذلك على حساب التحول السياسي السريع.

محللون: استمرار الحرب بات بالنسبة لبعض القوى وسيلة لتحسين شروط التفاوض أو إعادة التموضع داخل المشهد السياسي..

الحرب كورقة ضغط سياسية

يرى محللون أن استمرار الحرب بات بالنسبة لبعض القوى وسيلة لتحسين شروط التفاوض أو إعادة التموضع داخل المشهد السياسي. فكلما اقتربت الأطراف الدولية من طرح تسوية تستبعد بعض مراكز النفوذ التقليدية، تصاعد التوتر الميداني، ما يعيد خلط الأوراق ويؤخر الوصول إلى اتفاق نهائي. ويؤكد مراقبون أن هذا النمط ساهم في إضعاف ثقة المجتمع الدولي في فرص الحل السريع، كما جعل المبادرات السياسية تدور في حلقة مفرغة بين التصعيد والتهدئة المؤقتة.

السودان بين مطرقة الحرب وهشاشة الدولة

في ظل هذه التعقيدات، يبقى السودان عالقًا بين خيارين صعبين: إما استمرار الحرب بما تحمله من كلفة إنسانية واقتصادية هائلة، أو الدخول في عملية سياسية شديدة الحساسية تتطلب إعادة ترتيب موازين القوة داخل الدولة. ويحذر خبراء من أن أي تسوية لا تعالج جذور الأزمة، بما في ذلك العلاقة بين المدنيين والعسكريين، وشبكات النفوذ القديمة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، قد تتحول إلى هدنة مؤقتة أكثر منها سلامًا مستدامًا.

السلام المؤجل

تعكس الأزمة السودانية أن الحروب الحديثة لا تُحسم بالسلاح وحده، بل أيضًا بالصراعات على النفوذ والرواية السياسية والتحالفات الإقليمية. وبينما تتعثر الوساطات وتتصاعد المخاوف من اتساع رقعة الانهيار، يظل الشعب السوداني هو الطرف الأكثر تضررًا من حرب لم تعد تهدد الحاضر فقط، بل مستقبل الدولة نفسها.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.