حين تصبح الحرب مشروعًا سياسيًا

 نورا عثمان

ليست الأزمة السودانية معقدة إلى الحد الذي يجعل حلها مستحيلًا. فجوهر الصراع، مهما تشعبت تفاصيله العسكرية والسياسية، يمكن التعامل معه عبر تسوية توقف الحرب وتفتح الباب أمام عملية انتقالية حقيقية. لكن العقبة الأكبر لا تكمن في التفاصيل التقنية، بل في غياب الإرادة السياسية لدى بعض القوى التي ترى في السلام تهديدًا مباشرًا لنفوذها ومصالحها.

على رأس هذه القوى، يقف التيار المرتبط بالحركة الإسلامية، الذي لا يزال—بحسب كثير من المراقبين—يتعامل مع المشهد السوداني بعقلية “إما العودة أو الفوضى”. فالجماعة التي حكمت السودان لثلاثة عقود عبر شبكة معقدة من النفوذ الأمني والسياسي والاقتصادي، تجد نفسها اليوم أمام واقع جديد لا يشبه الماضي: شارع غاضب، ووعي سياسي متصاعد، ومطالبات متزايدة بالمحاسبة والعدالة.

هنا تحديدًا يصبح السلام مشكلة بالنسبة لهم، لا حلًا. لأن أي عملية سياسية جادة تعني بالضرورة فتح ملفات السنوات الماضية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس مختلفة، وتفكيك شبكات النفوذ التي تراكمت خلال عقود. كما تعني، في نظر كثيرين، إنهاء حالة السيولة التي وفرت لهذه القوى مساحة للحركة والتأثير من خلف الستار.

ولهذا، تبدو الحرب بالنسبة لبعض مراكز النفوذ أكثر من مجرد معركة عسكرية؛ إنها وسيلة لإعادة التموضع السياسي. فكلما اقتربت البلاد من تسوية، ارتفعت الأصوات التي تشكك في المفاوضات، وتخون دعاة السلام، وتدفع باتجاه التصعيد. وكأن المطلوب إبقاء السودان في حالة اشتعال دائم، حتى يصبح أي حل مشروطًا بعودة ذات القوى إلى طاولة السلطة.

المفارقة المؤلمة أن الضحية ليست فقط الدولة، بل المجتمع كله. ملايين النازحين، والأطفال خارج المدارس، والمستشفيات المدمرة، والانهيار الاقتصادي، كلها نتائج مباشرة لحرب كان يمكن تجنبها أو على الأقل إيقافها مبكرًا لو توفرت إرادة حقيقية لتقديم مصلحة الوطن على الحسابات التنظيمية الضيقة.

السودانيون الذين خرجوا في ثورة ديسمبر لم يطالبوا فقط بإسقاط نظام سياسي، بل أرادوا إنهاء نموذج كامل من الحكم يقوم على الاحتكار والإقصاء واستخدام الدولة كأداة للبقاء. ولذلك فإن أي محاولة لإعادة إنتاج هذا النموذج، حتى ولو بوجوه أو تحالفات جديدة، ستعيد البلاد إلى الدائرة نفسها من العنف والانهيار.

السلام في السودان ليس مستحيلًا، لكنه يحتاج إلى شجاعة سياسية تتجاوز عقلية “السلطة أو الخراب”. يحتاج إلى قوى تؤمن بأن الوطن أكبر من التنظيم، وأن العدالة ليست انتقامًا بل شرطًا للاستقرار.

أما استمرار الحرب، فلن يمنح أحدًا انتصارًا حقيقيًا. بل سيترك السودان دولة منهكة، وشعبًا محطمًا، ومستقبلًا معلّقًا على حسابات لا علاقة لها بمصالح الناس بقدر ما ترتبط بالخوف من فقدان النفوذ أو مواجهة الحقيقة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.