كيف أعاد الإخوان تشكيل السودان؟ ثلاثة عقود من تفكيك الدولة وإضعاف المجتمع المدني

سيف الدولة كمال

منذ استيلاء الإسلاميين على السلطة في السودان عام 1989، دخلت البلاد مرحلة سياسية مختلفة لم تقتصر آثارها على شكل الحكم فقط، بل امتدت إلى بنية الدولة نفسها ومؤسساتها المدنية والعسكرية. فالمشروع الذي قادته الحركة الإسلامية لم يكن مجرد برنامج سياسي تقليدي، بل محاولة شاملة لإعادة صياغة الدولة والمجتمع وفق رؤية أيديولوجية تركت آثارًا عميقة لا تزال حاضرة حتى اليوم.

خلال السنوات الأولى من الحكم، اتجهت السلطة الجديدة إلى إحكام قبضتها على المجال العام، عبر سياسات هدفت إلى تقليص نفوذ القوى المدنية التقليدية التي كانت تلعب دورًا مهمًا في الحياة السياسية السودانية. وكان من أبرز هذه الخطوات استهداف النقابات المهنية والاتحادات العمالية، التي شكّلت تاريخيًا أحد أهم أدوات الرقابة الشعبية والتعبير السياسي.

فقد تم حل عدد من النقابات أو إعادة تشكيلها بطريقة تضمن ولاءها للسلطة، ما أدى إلى إضعاف دورها المهني والسياسي. ومع تراجع استقلالية هذه المؤسسات، خسر المجتمع السوداني واحدة من أهم منصاته للدفاع عن الحقوق والمشاركة في النقاش العام.

ولم يقتصر الأمر على النقابات، بل امتد إلى الأحزاب السياسية، حيث واجهت القوى الحزبية قيودًا واسعة حدّت من قدرتها على العمل والتنظيم. وبمرور الوقت، تقلصت مساحة التعددية السياسية، وأصبح المجال العام أكثر خضوعًا لسيطرة الدولة وأجهزتها الأمنية.

هذه السياسات لم تكن معزولة عن مشروع أوسع لإعادة هيكلة مؤسسات الدولة. فقد شهدت الخدمة المدنية، والجامعات، ووسائل الإعلام، وحتى المؤسسات العسكرية والأمنية، عمليات تغيير واسعة هدفت إلى تعزيز الولاء السياسي والأيديولوجي داخل أجهزة الدولة. هذه التحولات أضعفت المهنية داخل المؤسسات العامة، وربطت كثيرًا من المواقع الحساسة بالانتماء السياسي أكثر من الكفاءة، ما انعكس لاحقًا على أداء الدولة وقدرتها على إدارة الأزمات.

كما أسهمت هذه السياسات في تعميق الانقسام داخل المجتمع السوداني، خصوصًا مع تزايد الإقصاء السياسي وتراجع فرص المشاركة المتساوية. وبالتوازي مع ذلك، شهدت البلاد حروبًا داخلية وأزمات اقتصادية متلاحقة، زادت من هشاشة الدولة وأضعفت الثقة بين المواطن والمؤسسات الرسمية.

ورغم سقوط نظام عمر البشير في عام 2019 بعد احتجاجات شعبية واسعة، فإن تأثيرات تلك المرحلة لا تزال حاضرة بقوة. فالكثير من مؤسسات الدولة ما زالت تعاني من آثار التسييس والاستقطاب، بينما يواجه السودان تحديات معقدة في إعادة بناء مؤسساته على أسس أكثر توازنًا واستقلالية.

اليوم، وبعد أكثر من ثلاثة عقود على بداية تلك التجربة، يظل السؤال مطروحًا: هل يستطيع السودان تجاوز إرث التمكين والاستقطاب، وبناء دولة تقوم على المواطنة والمؤسسات، لا على الولاءات الأيديولوجية؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.