الحرب في السودان لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متنازعة، بل تحولت إلى أزمة وطنية شاملة تهدد مستقبل الدولة ووحدة المجتمع. ومع استمرار القتال واتساع دائرة الدمار والنزوح والانهيار الاقتصادي، أصبح من الواضح أن الخسارة الحقيقية لا تقع على طرف سياسي أو عسكري بعينه، وإنما على السودان كله، وعلى الأجيال القادمة التي تواجه مستقبلاً غامضاً وسط هذا الخراب المتواصل.
وفي خضم هذا الواقع المؤلم، تصاعدت حالة الاستقطاب السياسي والاجتماعي، خاصة فيما يتعلق بمسألة العداء للكيزان أو الإسلاميين. وتحول الخطاب السياسي، في كثير من الأحيان، إلى حالة من الإقصاء والكراهية المتبادلة، حتى أصبحت بعض القوى تتعامل مع الأزمة بعقلية الثأر السياسي أكثر من تعاملها مع خطر انهيار الدولة نفسها.
وفي المقابل، هناك من يختزل الحرب بالكامل في معركة ضد خصوم سياسيين، متجاهلاً الكلفة الإنسانية والوطنية الهائلة التي يدفعها الشعب السوداني يومياً. هذه الحالة أعادت إلى الأذهان نهج “داحس والغبراء”، حيث تتحول الخلافات السياسية إلى صراعات طويلة تستنزف الجميع دون منتصر حقيقي. فاستمرار منطق التخوين والإلغاء لن يقود إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة بصورة أكثر خطورة، وربما إلى تفكك الدولة ودخول البلاد في مرحلة صراع أمراء الحرب والمليشيات، كما حدث في تجارب إقليمية مؤلمة حول السودان. لذلك، فإن المقاربة المطلوبة اليوم ليست قائمة على الانتصار الكامل لطرف وهزيمة الآخر، وإنما على فهم آثار الحرب والعداء السياسي على مستقبل السودان نفسه. فالسودان لا يحتمل مشروع انتقام جديد، كما لا يحتمل عودة الاستبداد أو احتكار السلطة باسم أي تيار سياسي. المطلوب هو الانتقال من منطق الحرب إلى منطق الدولة، ومن عقلية الإقصاء إلى عقلية التوافق الوطني. وأي حوار وطني حقيقي يجب أن يبدأ من نقاط الاتفاق لا من نقاط الخلاف. فهناك قضايا تجمع غالبية السودانيين مهما اختلفت انتماءاتهم السياسية والفكرية، مثل وقف الحرب، حماية المدنيين، الحفاظ على وحدة السودان، إعادة بناء مؤسسات الدولة، عودة النازحين، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. هذه الملفات يمكن أن تشكل أرضية مشتركة لبناء الثقة وفتح الباب أمام تسوية سياسية شاملة.
ومن خلال الاتفاق على هذه القضايا المشتركة يمكن الانتقال تدريجياً إلى اتفاق لوقف القتال، لأن استمرار الحرب لم يعد يهدد طرفاً بعينه، بل يهدد وجود السودان نفسه. فكل يوم إضافي للحرب يعني مزيداً من التشريد والانهيار والكراهية وضياع فرص التنمية والاستقرار. إن الجلوس إلى طاولة الحوار بدون شروط مسبقة لا يعني التنازل عن العدالة أو إسقاط المحاسبة، وإنما يعني الاعتراف بأن الحروب لا تُحسم بالكامل بالسلاح، وأن الحلول المستدامة تحتاج إلى تسويات سياسية واسعة تضمن مشاركة الجميع وتحفظ وحدة البلاد. فالإقصاء الكامل لأي مكون اجتماعي أو سياسي لن يؤدي إلا إلى دورة جديدة من الصراع والعنف. واليوم، ورغم حجم المأساة، ما زال هناك بريق أمل إذا توفرت الإرادة الوطنية الصادقة لتقديم مصلحة السودان على المصالح الحزبية والشخصية. فالأجيال القادمة تستحق أن تعيش في سودان واحد آمن ومستقر، سودان تُدار فيه الخلافات بالحوار لا بالبندقية، ويشعر فيه الجميع بأن الوطن يتسع لهم دون خوف أو كراهية أو إقصاء.
إن مستقبل السودان لن يُبنى بالغلبة العسكرية وحدها، بل بالتوافق الوطني، والاعتراف المتبادل، والقدرة على إدارة الاختلاف بعقلانية ومسؤولية. فإما أن يختار السودانيون طريق الحوار والتسوية، وإما أن تستمر دائرة الحرب لتبتلع ما تبقى من الوطن.
Next Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.